فهرس الكتاب

الصفحة 862 من 8321

اعلم أن هذا هو النوع السادس من الأمور المستحسنة التي حكاها الله عن إبراهيم وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر ( وأوصى ) بالألف وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام والباقون بغير ألف بالتشديد وكذلك هو في مصاحفهم والمعنى واحد إلا أن في ( وصى ) دليل مبالغة وتكثير .

المسألة الثانية: الضمير في ( بها ) إلى أي شيء يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى قوله: { أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } [ البقرة: 131 ] على تأويل الكلمة والجملة ، ونحوه رجوع الضمير في قوله: { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية } [ الزخرف: 28 ] إلى قوله: { إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذى فَطَرَنِى } [ الزخرف: 26 ، 27 ] وقوله: { كَلِمَةً باقية } دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة . القول الثاني: أنه عائد إلى الملة في قوله: { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم } [ البقرة: 130 ] قال القاضي وهذا القول أولى من الأول من وجهين . الأول: أن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم . الثاني: أن الملة أجمع من تلك الكلمة ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة ، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك .

المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين . أحدها: أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال: وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر ، لأن الوصية عند الخوف من الموت ، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم ، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك الوقت كان مهتمًا بهذا الأمر متشددًا فيه ، كان القول إلى قبوله أقرب . وثانيها: أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك ، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم ، فلما خصهم بذلك في آخر عمره ، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره . وثالثها: أنه عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحدًا منهم بهذه الوصية ، وذلك أيضًا يدل على شدة الاهتمام . ورابعها: أنه عليه السلام أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان معين ، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين ، وذلك يدل أيضًا على شدة الاهتمام بهذا الأمر . وخامسها: أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى ، وهذا يدل أيضًا على شدة الاهتمال بهذا الأمر ، ولما كان إبراهيم عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة ، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر ، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام ، وأجراها بالرعاية ، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية ، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان يدعو الكل أبدًا إلى الإسلام والدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت