فهرس الكتاب

الصفحة 4481 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حصر المحرمات في تلك الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه الأربع ، وفي النقصان عنها أخرى ، فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وكانوا يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ، فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضًا في المحللات وذلك لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى ، فالله تعالى بين أن المحرمات هي هذه الأربعة ، وبين أن الأشياء التي يقولون إن هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله ، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب ، وأقول: إنه تعالى لما بين هذا الحصر في هذه السور الأربع ، ثم ذكر في هذه الآية أن الزيادة عليها والنقصان عنها كذب وافتراء على الله تعالى وموجب للوعيد الشديد علمنا أنه لا مزيد على هذا الحصر ، والله أعلم .

المسألة الثانية: في انتصاب الكذب في قوله: { لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب } وجهان . الأول: قال الكسائي والزجاج: ( ما ) مصدرية ، والتقدير: ولا تقولوا: لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن يقال: لا تقولوا: لكذا كذا وكذا .

فإن قالوا: حمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار ، لأن قوله تعالى: { لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } عين ذلك .

والجواب: أن قوله: { لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب } ليس فيه بيان كذب على الله تعالى فأعاد قوله: { لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } ليحصل فيه هذا البيان الزائد ونظائره في القرآن كثيرة . وهو أنه تعالى يذكر كلامًا ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة . الثاني: أن تكون ( ما ) موصولة ، والتقدير ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام ، وحذف لفظ فيه لكونه معلومًا .

المسألة الثالثة: قوله تعال: { تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب } من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة وكلامهم الكذب يكشف حقيقة الكذب ويوضح ماهيته ، وهذا مبالغ في وصف كلامهم بكونه كذبًا ، ونظيره قول أبي العلاء المعري:

سرى برق المعرة بعد وهن ... فبات برامة يصف الكلالا

والمعنى: أن سرى ذلك البرق يصف الكلال فكذا ههنا ، والله أعلم .

ثم قال تعالى: { لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } المعنى: أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله تعالى ويقولون: إنه أمرنا بذلك . وأظن أن هذا اللام ليس لام الغرض ، لأن ذلك الافتراء ما كان غرضًا لهم بل كان لام العاقبة كقوله تعالى: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } [ القصص: 8 ] قال الواحدي: وقوله: { لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } بدل من قوله: { لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب } لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى ، ففسر وصفهم الكذب بالافتراء على الله تعالى ، ثم أوعد المفترين ، وقال: { إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ } ثم بيّن أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب ، فقال: { متاع قَلِيلٌ } قال الزجاج: المعنى متاعهم متاع قليل ، وقال ابن عباس: بل متاع كل الدنيا متاع قليل ، ثم يردون إلى عذاب أليم ، وهو قوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت