فهرس الكتاب

الصفحة 1753 من 8321

اعلم أن علماء اليهود والنصارى كانت لهم حرفتان إحداهما: أنهم كانوا يكفرون بمحمد A مع أنهم كانوا يعلمون بقلوبهم أنه رسول حق من عند الله والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في الآية الأولى وثانيتهما: إنهم كانوا يجتهدون في إلقاء الشبهات ، وفي إخفاء الدلائل والبينات والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في هذه الآية الثانية ، فالمقام الأول مقام الغواية والضلالة والمقام الثاني مقام الإغواء والإضلال ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء { تَلْبِسُونَ } بالتشديد ، وقرأ يحيى بن و ثاب { تَلْبِسُونَ } بفتح الباء ، أي تلبسون الحق مع الباطل ، كقوله عليه السلام: « كلابس ثوبي زور » وقوله .

إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا ... المسألة الثانية: اعلم أن الساعي في إخفاء الحق لا سبيل له إلى ذلك إلا من أحد وجهين: إما بإلقاء شبهة تدل على الباطل ، وإما بإخفاء الدليل الذي يدل على الحق ، فقوله { لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } إشارة إلى المقام الأول وقوله { وَتَكْتُمُونَ الحق } إشارة إلى المقام الثاني أما لبس الحق بالباطل فإنه يحتمل ههنا وجوهًا أحدها: تحريف التوراة ، فيخلطون المنزل بالمحرف ، عن الحسن وابن زيد وثانيها: إنهم تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار ، ثم الرجوع عنه في آخر النهار ، تشكيكًا للناس ، عن ابن عباس وقتادة وثالثها: أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته A من البشارة والنعت والصفة ويكون في التوراة أيضًا ما يوهم خلاف ذلك ، فيكون كالمحكم والمتشابه فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعله كثير من المشبهة ، وهذا قول القاضي ورابعها: أنهم كانوا يقولون محمدًا معترف بأن موسى عليه السلام حق ، ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى عليه السلام لا ينسخ وكل ذلك إلقاء للشبهات .

أما قوله تعالى: { وَتَكْتُمُونَ الحق } فالمراد أن الآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوّة محمد A كان الاستدلال بها مفتقرًا إلى التفكر والتأمل ، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي كان بمجموعها يتم هذا الاستدلال مثل ما أن أهل البدعة في زماننا يسعون في أن لا يصل إلى عوامهم دلائل المحققين .

أما قوله { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ففيه وجوه أحدها: إنكم تعلمون أنكم إنما تفعلون ذلك عنادًا وحسدًا وثانيها: { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي أنتم أرباب العلم والمعرفة لا أرباب الجهل والخرافة وثالثها: { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أن عقاب من يفعل مثل هذه الأفعال عظيم .

المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: { لِمَ تَكْفُرُونَ } و { لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } دال على أن ذلك فعلهم ، لأنه لا يجوز أن يخلقه فيهم ، ثم يقول: لم فعلتم؟ وجوابه: أن الفعل يتوقف على الداعية فتلك الداعية إن حدثت لا لمحدث لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد افتقر إلى إرادة أخرى وإن كان محدثها هو الله تعالى لزمكم ما ألزمتموه علينا ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت