فهرس الكتاب

الصفحة 6490 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد ، أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج القاضي على القطع بوعيد الفسق بقوله { إِنَّ المجرمين فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } ولفظ المجرم يتناول الكافر والفاسق ، فوجب كون الكل في عذاب جهنم ، وقوله { خالدون } يدل على الخلود ، وقوله أيضًا { لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } يدل على الخلود والدوام أيضًا والجواب: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن المراد من لفظ المجرمين ههنا الكفار ، أما ما قبل هذه الآية فلأنه قال: { ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ، الذين ءامَنُواْ بئاياتنا وَكَانوا مُسْلِمِينَ } [ الزخرف: 68 ، 69 ] فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين ، فإنهم يدخلون تحت قوله { ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الذين ءامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم ، فوجب أن يكون داخلًا تحت ذلك الوعد ، ووجب أن يكون خارجًا عن هذا الوعيد ، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله { جئناكم بالحق ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كارهون } والمراد بالحق ههنا إما الإسلام وإما القرآن ، والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن ، فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن المراد من المجرمين الكفار ، والله أعلم .

المسألة الثانية: أنه تعالى وصف عذاب جهنم في حق المجرمين بصفات ثلاثة أحدهما: الخلود ، وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا يفيد الدوام وثانيها: قوله: { لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } أي لا يخفف ولا ينقص من قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها وثالثها: قوله { وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج ، عن الضحاك يجعل المجرم في تابوت من نار ، ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالدًا لا يرى ، قال صاحب «الكشاف» : وقرىء { وَهُمْ فِيهَا } أي وهم في النار .

المسألة الثالثة: احتج القاضي بقوله تعالى: { وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين } فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه بقوله { وَمَا ظلمناهم } وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه؟ أو ليس لو أثبتناه ظلمًا لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم ، فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عزّ وجل فقط ، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معًا ، فلم يكن ذلك ظلمًا من الله . قلنا: عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم ، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى ، فكأنه تعالى لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالمًا لهم ، وذلك محال لأن من يكون ظالمًا في فعل ، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق ، فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع ، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه ، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في العبد ، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذٍ يلزمك ما أوردته علينا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت