في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع وحفص عن عاصم { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } بالفتح في الحرفين ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالضم في الحرفين ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { فَصَّلَ } بالفتح { وَحَرَّمَ } بالضم ، فمن قرأ بالفتح في الحرفين فقد احتج بوجهين: الأول: أنه تمسك في فتح قوله: { فَصَّلَ } بقوله: { قَدْ فَصَّلْنَا الأيات } [ الأنعام: 97 ، 98 ، 126 ] وفي فتح قوله: { حَرَّمَ } بقوله: { أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } [ الأنعام: 151 ] .
والوجه الثاني: التمسك بقوله: { مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } فيجب أن يكون الفعل مسندًا إلى الفاعل لتقدم ذكر اسم الله تعالى ، وأما الذين قرؤا بالضم في الحرفين فحجتهم قوله: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم } [ المائدة: 3 ] وقوله: { حرمات } تفصيل لما أجمل في هذه الآية ، فلما وجب في التفصيل أن يقال: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } بفعل ما لم يسم فاعله وجب في الإجمال كذلك وهو قوله: { مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } ولما ثبت وجوب { حَرَّمَ } بضم الحاء فكذلك يجب { فَصَّلَ } بضم الفاء لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم المجمل بعينه . وأيضًا فإنه تعالى قال: { وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلًا } [ الأنعام: 114 ] وقوله: { مُفَصَّلًا } يدل على فصل . وأما من قرأ { فَصَّلَ } بالفتح وحرم بالضم فحجته في قوله: { فَصَّلَ } قوله: { قَدْ فَصَّلْنَا الأيات } وفي قوله: { حَرَّمَ } قوله: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } .
المسألة الثانية: قوله: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } أكثر المفسرين قالوا: المراد منه قوله تعالى في أول سورة المائدة: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير } وفيه إشكال: وهو أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية ، وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة . وقوله: { وَقَدْ فَصَّلَ } يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدمًا على هذا المجمل ، والمدني متأخر عن المكي ، والمتأخر يمتنع كونه متقدمًا . بل الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية: { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يطعمه } [ الأنعام: 145 ] . وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد والله أعلم . وقوله: { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة .
ثم قال: { وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لَّيُضِلُّونَ } بفتح الياء وكذلك في يونس { رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ } [ يونس: 88 ] وفي إبراهيم { لِيُضِلُّواْ } [ إبراهيم: 30 ] وفي الحج { ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ } [ الحج: 9 ] وفي لقمان { لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ } [ لقمان: 6 ] وفي الزمر { أَندَادًا لّيُضِلَّ } [ الزمر: 8 ] وقرأ عاصم وحمزة والكسائي جميع ذلك بضم الياء . وقرأ نافع وابن عامر ههنا وفي يونس بفتح الياء ، وفي سائر المواضع بالضم ، فمن قرأ بالفتح أشار إلى كونه ضالًا ، ومن قرأ بالضم أشار إلى كونه مضلًا . قال: وهذا أقوى في الذم لأن كل مضل فإنه يجب كونه ضالًا ، وقد يكون ضالًا ولا يكون مضلًا ، فالمضل أكثر استحقاقًا للذم من الضال .