اعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته إما أن تكون من دلائل الآفاق أو من باب دلائل الأنفس ، أما دلائل الآفاق فالمراد كل ما هو غير الإنسان من كل هذا العالم وهي أقسام كثيرة ، والمذكور منها في هذه الآية أقسام منها أحوال الليل والنهار وقد سبق ذكره وثانيها: الأرض والسماء وهو المراد من قوله { الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَارًا والسماء بِنَاء } قال ابن عباس في قوله { قَرَارًا } أي منزلًا في حال الحياة وبعد الموت { والسماء بِنَاء } كالقبة المضروبة على الأرض ، وقيل مسك الأرض بلا عمد حتى أمكن التصرف عليها { والسماء بِنَاء } أي قائمًا ثابتًا وإلا لوقعت علينا ، وأما دلائل الأنفس فالمراد منها دلالة أحوال بدن الإنسان ودلالة أحوال نفسه على وجود الصانع القادر الحكيم ، والمذكور منها في هذه الآية قسمان أحدها: ما هو حاصل مشاهد حال كما حاله والثاني: ما كان حاصلًا في ابتداء خلقته وتكوينه .
أما القسم الأول: فأنواع كثيرة والمذكور منها في هذه الآية أنواع ثلاثة أولها: حدوث صورته وهو المراد من قوله { وَصَوَّرَكُمْ } وثانيها: حسن صورته وهو المراد من قوله { فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } ، وثالثها: أنه رزقه من الطيبات وهو المراد من قوله { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } وقد أطنبنا في تفسير هذه الأشياء في هذا الكتاب مرارًا لا سيما في تفسير قوله تعالى { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } [ الإسراء: 70 ] ولما ذكر الله تعالى هذه الدلائل الخمسة اثنين من دلائل الآفاق وثلاثة من دلائل الأنفس قال: { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فتبارك الله رَبُّ العالمين } وتفسير تبارك إما الدوام والثبات وإما كثرة الخيرات ، ثم قال: { هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وهذا يفيد الحصر وأن لا حي إلا هو ، فوجب أن يحمل ذلك على الحي الذي يمتنع أن يموت امتناعًا ذاتيًا وحينئذٍ لا حي إلا هو فكأنه أجرى الشيء الذي يجوز زواله مجرى المعدوم .
واعلم أن الحي عبارة عن الدراك الفعال والدراك إشارة إلى العلم التام ، والفعال إشارة إلى القدرة الكاملة ، ولما نبه على هاتين الصفتين من صفات الجلال نبه على الصفة الثالثة وهي: الوحدانية بقوله لا إله إلا هو ، ولما وصفه بهذه الصفات أمر العباد بشيئين أحدها: بالدعاء والثاني: بالإخلاص فيه ، فقال: { فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } ثم قال: { الحمد لله رب العالمين } فيجوز أن يكون المراد قول: { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } ويجوز أن يكون المراد أنه لما كان موصوفًا بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له الحمد لله رب العالمين ولما بيّن صفات الجلال والعظمة قال: { قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } فأورد ذلك على المشركين بألين قول ليصرفهم عن عبادة الأوثان ، وبيّن أن وجه النهي في ذلك ما جاءه من البينات ، وتلك البينات أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفًا بصفات الجلال والعظمة على ما تقدم ذكره ، وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به ، وأن جعل الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل .