فهرس الكتاب

الصفحة 6571 من 8321

واعلم أنه تعالى لما قرر المطالب الثلاثة وهي التوحيد والنبوة والمعاد ، وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة للرسول A ، وذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه ويوجسون صدره ، فقال تعالى: { فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل } أي أولو الجد والصبر والثبات ، وفي الآية قولان .

الأول: أن تكون كلمة { مِنَ } للتبعيض ويراد بأولو العزم بعض الأنبياء قيل هم نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، وإبراهيم على النار وذبح الولد ، وإسحاق على الذبح ، ويعقوب على فقدان الولد وذهاب البصر ، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضر وموسى قال له قومه { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } [ الشعراء: 61 ، 62 ] وداود بكى على زلته أربعين سنة ، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها ، وقال الله تعالى في آدم { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } [ طه: 115 ] وفي يونس { وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت } [ القلم: 48 ] .

والقول الثاني: أن كل الرسل أولو عزم ولم يبعث الله رسولًا إلا كان ذا عزم وحزم ، ورأي وكمال وعقل ، ولفظة من في قوله { مَّنَ الرسل } تبيين لا تبعيض كما يقال كسيته من الخز وكأنه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم ، ووصفهم بالعزم لصبرهم وثباتهم .

ثم قال: { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } ومفعول الاستعجال محذوف ، والتقدير لا تستعجل لهم بالعذاب ، قيل إن النبي A ضجر من قومه بعض الضجر ، وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه فأمر بالصبر وترك الاستعجال ، ثم أخبر أن ذلك العذاب منهم قريب ، وأنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر ، وعند نزول ذلك العذاب بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا ، حتى يحسبونها ساعة من نهار ، والمعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ ، كأنه ساعة من النهار ، أو كأن لم يكن لهول ما عاينوا ، أو لأن الشيء إذا مضى صار كأنه لم يكن ، وإن كان طويلًا قال الشاعر:

كأن شيئًا لم يكن إذا مضى ... كأن شيئًا لم يزل إذا أنى

واعلم أنه تم الكلام ههنا ، ثم قال تعالى: { بلاغ } أي هذا بلاغ ، ونظيره قوله تعالى: { هذا بلاغ لّلنَّاسِ } [ إبراهيم: 52 ] أي هذا الذي وعظتم به فيه كفاية في الموعظة أو هذا تبليغ من الرسل ، فهل يهلك إلا الخارجون عن الاتعاظ به والعمل بموجبه ، والله أعلم .

قال المصنف C تعالى: تم تفسير هذه السورة يوم الأربعاء العشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت