فهرس الكتاب

الصفحة 7972 من 8321

ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكر المفسرون فيه وجوهًا . أحدها: قال ابن عباس: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له . وأقول: هذا التفسير متعين وذلك لأن مراتب أعمال المكلف ثلاثة أولها: إزالة العقائد الفاسدة عن القلب وثانيها: استحضار معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأسمائه وثالثها: الاشتغال بخدمته .

فالمرتبة الأولى: هي المراد بالتزكية في قوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى } [ الأعلى: 14 ] .

وثانيها: هي المراد بقوله: { وَذَكَرَ اسم رَبّهِ } فإن الذكر بالقلب ليس إلا المعرفة .

وثالثها: الخدمة وهي المراد بقوله: { فصلى } فإن الصلاة عبارة عن التواضع والخشوع فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله تعالى وكبريائه ، لا بد وأن يظهر في جوارحه وأعضائه أثر الخضوع والخشوع .

وثانيها: قال قوم من المفسرين قوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى } يعني من تصدق قبل مروره إلى العيد: { وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى } يعني ثم صلى صلاة العيد بعد ذلك مع الإمام . وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمر وروي ذلك مرفوعًا إلى النبي A ، وهذا التفسير فيه إشكال من وجهين الأول: أن عادة الله تعالى في القرآن تقديم ذكر الصلاة على ذكر الزكاة لا تقديم الزكاة على الصلاة والثاني: قال الثعلبي: هذه السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . أجاب الواحدي عنه بأنه لا يمتنع أن يقال: لما كان في معلوم الله تعالى أن ذلك سيكون أثنى على من فعل ذلك وثالثها: قال مقاتل: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى } [ الأعلى: 14 ] أي تصدق من ماله وذكر ربه بالتوحيد في الصلاة فصلى له ، والفرق بين هذا الوجه وما قبله أن هذا يتناول الزكاة والصلاة المفروضتين ، والوجه الأول ليس كذلك ورابعها: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى } ليس المراد منه زكاة المال بل زكاة الأعمال أي من تطهر في أعماله من الرياء والتقصير ، لأن اللفظ المعتاد أن يقال: في المال زكى ولا يقال تزكى قال تعالى: { وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ } [ فاطر: 18 ] ، وخامسها: قال ابن عباس: { وَذَكَرَ اسم رَبّهِ } أي كبر في خروجه إلى العيد وصلى صلاة العيد وسادسها: المعنى وذكر اسم ربه في صلاته ولا تكون صلاته كصلاة المنافقين حيث يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا .

المسألة الثانية: الفقهاء احتجوا بهذه الآية على وجوب تكبيرة الافتتاح ، واحتج أبو حنيفة C بها على أن تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة ، قال: لأن الصلاة معطوفة عليها والعطف يستدعي المغايرة ، واحتج أيضًا بهذه الآية على أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه وأجاب أصحابنا بأن تقدير الآية ، وصلى فذكر اسم ربه ولا فرق بين أن تقول أكرمتني فزرتني وبين أن تقول زرتني فأكرمتني ، ولأبي حنيفة أن يقول: ترك العمل بفاء التعقيب لا يجوز من غير دليل والأولى في الجواب أن يقال: الآية تدل على مدح كل من ذكر اسم الله فصلى عقيبه وليس في الآية بيان أن ذلك الذكر هو تكبيرة الافتتاح . فلعل المراد به أن من ذكر الله بقلبه وذكر ثوابه وعقابه دعاه ذلك إلى فعل الصلاة ، فحينئذ يأتي بالصلاة التي أحد أجزائها التكبير ، وحينئذ يندفع الاستدلال . ثم قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت