فهرس الكتاب

الصفحة 6755 من 8321

وقوله: { وَمِنَ اليل فَسَبّحْهُ } إشارة إلى زلفًا من الليل ، ووجه هذا أن النبي A له شغلان . أحدهما: عبادة الله . وثانيهما: هداية الخلق فإذا هداهم ولم يهتدوا ، قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو عبادة الحق . ثانيها: سبح بحمد ربك ، أي نزهه عما يقولون ولا تسأم من امتناعهم بل ذكرهم بعظمة الله تعالى ونزهه عن الشرك والعجز عن الممكن الذي هو الحشر قبل الطلوع وقبل الغروب ، فإنهما وقت اجتماعهم { وَمِنَ اليل فَسَبّحْهُ } أي أوائل الليل ، فإنه أيضًا وقت اجتماع العرب ، ووجه هذا أنه لا ينبغي أن تسأم من تكذيبهم فإن الرسل من قبلك أوذوا وكذبوا وصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، وعلى هذا فلقوله تعالى: { وأدبار السجود } فائدة جليلة وهي الإشارة إلى ما ذكرنا أن شغل الرسول أمر أن العبادة والهداية فقوله: { وأدبار السجود } أي عقب ما سجدت وعبدت نزه ربك بالبرهان عند اجتماع القوم ليحصل لك العبادة بالسجود والهداية أدبار السجود . ثالثها: أن يكون المراد قل سبحان الله ، وذلك لأن ألفاظًا معدودة جاءت بمعنى التلفظ بكلامهم ، فقولنا كبر يطلق ويراد به قول القائل الله أكبر ، وسلم يراد به قوله السلام عليكم ، وحمد يقال لمن قال الحمد لله ، ويقال هلل لمن قال لا إله إلا الله ، وسبح لمن قال سبحان الله ، ووجه هذا أن هذه أمور تتكرر من الإنسان في الكلام والحاجة تدعو إلى الإخبار عنها ، فلو قال القائل فلان قال لا إله إلا الله أو قال الله أكبر طول الكلام ، فمست الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة مفيدة لذلك لعدم تكرر ما في الأول ، وأما مناسبة هذا الوجه للكلام الذي هو فيه ، فهي أن تكذيبهم الرسول وتعجبهم من قوله أو استهزاءهم كان يوجب في العادة أن يشتغل النبي A بلعنهم وسبهم والدعاء عليهم فقال: فاصبر على ما يقولون واجعل كلامك بدل الدعاء عليهم التسبيح لله والحمد له ولا تكن كصاحب الحوت أو كنوح عليه السلام حيث قال: { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّارًا } [ نوح: 26 ] بل ادع إلى ربك فإذا ضجرت عن ذلك بسبب إصرارهم فاشتغل بذكر ربك في نفسك ، وفيه مباحث:

البحث الأول: استعمل الله التسبيح تارة مع اللام في قوله تعالى: { يُسَبّحُ الله } [ الجمعة: 1 ] ، و { يُسَبّحُونَ لَهُ } [ فصلت: 38 ] وأخرى مع الباء في قوله تعالى: { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } [ الواقعة: 74 ] و { سَبِّحِ بِحَمْدِ رَبّكَ } [ طه: 130 ] وثالثة من غير حرف في قوله { وسبحه } [ الإنسان: 26 ] وقوله { وسبحوه بكرة } [ الأحزاب: 42 ] وقوله: { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } [ الأعلى: 1 ] فما الفرق بينها؟ نقول: أما الباء فهي الأهم وبالتقديم أولى في هذا الموضع كقوله تعالى: { وَسَبْح بِحَمْدِ رَبّكَ } فنقول أما على قولنا المراد من سبح قل سبحان الله ، فالباء للمصاحبة أي مقترنًا بحمد الله ، فيكون كأنه تعالى قال قل سبحان الله والحمد لله ، وعلى قولنا المراد التنزيه لذلك أي نزهه وأقرنه بحمده أي سبحه واشكره حيث وفقك الله لتسبيحه فإن السعادة الأبدية لمن سبحه ، وعلى هذا فيكون المفعول غير مذكور لحصول العلم به من غير ذكر تقديره: سبح الله بحمد ربك ، أي ملتبسًا ومقترنًا بحمد ربك ، وعلى قولنا صل ، نقول يحتمل أن يكون ذلك أمرًا بقراءة الفاتحة في الصلاة يقال: صلّى فلان بسورة كذا أو صلّى بقل هو الله أحد ، فكأنه يقول صلّى بحمد الله أي مقروءًا فيها: الحمد لله ربّ العالمين ، وهو أبعد الوجوه ، وأما التعدية من غير حرف فنقول هو الأصل لأن التسبيح يتعدى بنفسه لأن معناه تبعيد من السوء ، وأما اللام فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون كما في قول القائل نصحته ونصحت له ، وشكرته وشكرت له . وثانيهما: أن يكون لبيان الأظهر أي يسبحون الله وقلوبهم لوجه الله خالصة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت