اعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد قال: { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } أي إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحتها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من هلك عن بينة . ويحيى من حي عن بينة وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال الواحدي: القصد استقامة الطريق يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك ، إذا عرفت هذا ففي الآية حذف ، والتقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل ، ثم قال: { وَمِنْهَا جَائِرٌ } أي عادل مائل ومعنى الجور في اللغة الميل عن الحق والكناية في قوله: { وَمِنْهَا جَائِرٌ } تعود على السبيل ، وهي مؤنثة في لغة الحجاز يعني ومن السبيل ما هو جائر غير قاصد للحق وهو أنواع الكفر والضلال ، والله أعلم .
المسألة الثانية؛ قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار ، لأنه تعالى قال: { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } وكلمة «على» للوجوب قال تعالى: { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [ آل عمران: 97 ] ودلت الآية أيضًا على أنه تعالى لا يضل أحدًا ولا يغويه ولا يصده عنه ، وذلك لأنه تعالى لو كان فاعلًا للضلال لقال: { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } وعليه جائرها أو قال: وعليه الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه عليه ، ولم يقل في جور السبيل أنه عليه بل قال { وَمِنْهَا جَائِرٌ } دل على أنه تعالى لا يضل عن الدين أحدًا .
أجاب أصحابنا أن المراد على الله بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح فإما أن يبين كيفية الاغواء والإضلال فذلك غير واجب فهذا هو المراد ، والله أعلم .
المسألة الثالثة: قوله: { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } يدل على أنه تعالى ما شاء هداية الكفار ، وما أراد منهم الإيمان ، لأن كلمة ( لو ) تفيد انتفاء شيء لانتفاء شيء غيره قوله؛ { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ } معناه: لو شاء هدايتكم لهداكم ، وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم ، وذلك يدل على المقصود .
وأجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم ، وهذا يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل .
وأجاب الجبائي بأن المعنى: ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل الثواب لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه ، ولم يرد به الهدى إلى الإيمان ، لأنه مقدور جميع المكلفين .
وأجاب بعضهم فقال المراد: ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل التفضل ، إلا أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبين ، فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب ، والله أعلم .
واعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مرارًا وأطوارًا مع الجواب فلا فائدة في الإعادة .