فيه مسائل:
المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد بالإنسان ههنا الكافر ، وقال آخرون: بل هو على عمومه ، بدليل أنه استثنى منه { إلا المصلين } .
المسألة الثانية: يقال: هلع الرجل يهلع هلعًا وهلاعًا فهو هالع وهلوع ، وهو شدة الحرص وقلة الصبر ، يقال: جاع فهلع ، وقال الفراء: الهلوع الضجور ، وقال المبرد: الهلع الضجر ، يقال: نعوذ بالله من الهلع عند منازلة الأقران ، وعن أحمد بن يحيى ، قال لي محمد بن عبدالله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله ، ولا تفسير أبين من تفسيره ، هو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله خير بخل ومنعه الناس .
المسألة الثالثة: قال القاضي قوله تعالى: { إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا } نظير لقوله: { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } [ الأنبياء: 37 ] وليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف ، والدليل عليه أن الله تعالى ذمه عليه والله تعالى لا يذم فعله ، ولأنه تعالى استثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك هذه الخصلة المذمومة ، ولو كانت هذه الخصلة ضرورية حاصلة بخلق الله تعالى لما قدروا على تركها . واعلم أن الهلع لفظ واقع على أمرين: أحدهما: الحالة النفسانية التي لأجلها يقدم الإنسان على إظهار الجزع والتضرع والثاني: تلك الأفعال الظاهرة من القول والفعل الدالة على تلك الحالة النفسانية ، أما تلك الحالة النفسانية فلا شك أنها تحدث بخلق الله تعالى ، لأن من خلقت نفسه على تلك الحالة لا يمكنه إزالة تلك الحالة من نفسه ، ومن خلق شجاعًا بطلًا لا يمكنه إزالة تلك الحالة عن نفسه بل الأفعال الظاهرة من القول والفعل يمكنه تركها والإقدام عليها فهي أمور اختيارية ، أما الحالة النفسانية التي هي الهلع في الحقيقة فهي مخلوقة على سبيل الاضطرار .