فهرس الكتاب

الصفحة 2620 من 8321

ثم قال تعالى: { وَحَسِبُواْ ألا تَكُونَ فِتْنَةً } في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو { ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ } برفع نون ( تكون ) والباقون بالنصب ، وذكر الواحدي لهذا تقريرًا حسنًا فقال: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره نحو: العلم والتيقن والتبين ، فما كان مثل هذا يقع بعده ( أن ) الثقيلة ولم يقع بعده ( أن ) الخفيفة الناصبة للفعل ، وذلك لأن الثقيلة تدل على ثبات الشيء ، واستقراره ، فإذا كان العلم يدل على الاستقرار والثبات و ( أن ) الثقيلة تفيد هذا المعنى حصلت بينهما موافقة ومجانسة ، ومثاله من القرآن قوله تعالى: { وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين } [ النور: 25 ] { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } [ التوبة: 104 ] { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى } [ العلق: 14 ] والباء زائدة .

والضرب الثاني: فعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار ، نحو: أطمع وأخاف وأرجو ، فهذا لا يستعمل فيه إلا الخفيفة الناصبة للفعل ، قال تعالى: { والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى } [ الشعراء: 82 ] { تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس } [ الأنفال: 26 ] { فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا } [ الكهف: 80 ] .

والضرب الثالث: فعل يحذو مرة إلى هذا القبيل ومرة أخرى إلى ذلك القبيل نحو: حسب وأخواتها ، فتارة تستعمل بمعنى أطمع وأرجو فيما لا يكون ثابتًا ومستقرًا ، وتارة بمعنى العلم فيما يكون مستقرًا .

إذا عرفت هذا فنقول: يمكن إجراء الحسبان ههنا بحيث يفيد الثبات والاستقرار ، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب والقتل في الفتنة والعذاب ، ويمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث إنهم كانوا يكذبون ويقتلون بسبب حفظ الجاه والتبع ، فكانوا بقلوبهم عارفين بأن ذلك خطأ ومعصية ، وإذا كان اللفظ محتملًا لكل واحد من هذين المعنيين لا جرم ظهر الوجه في صحة كل واحدة من هاتين القراءتين ، فمن رفع قوله { أَن لا تَكُونُ } كان المعنى: أنه لا تكون ، ثم خففت المشددة وجعلت ( لا ) عوضًا من حذف الضمير ، فلو قلت: علمت أن يقول: بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضًا من حذف الضمير: نحو السين وسوف وقد ، كقوله { علم أن سيكون } [ المزمل: 20 ] ووجه النصب ظاهر .

ثم قال الواحدي: وكلا الوجهين قد جاء به القرآن ، فمثل قراءة من نصب وأوقع بعده الخفيفة قوله { أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا } [ العنكبوت: 4 ] { أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ } [ الجاثية: 21 ] { الم أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ } [ العنكبوت: 1 ، 2 ] ومثل قراءة من رفع { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم } [ الزخرف: 80 ] { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ } [ المؤمنون: 55 ] { أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَع } [ القيامة: 3 ] فهذه مخففة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها ( لن ) ومثل المذهبين في الظن قوله { تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ } [ القيامة: 25 ] { إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا } [ البقرة: 230 ] ومن الرفع قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت