فهرس الكتاب

الصفحة 6563 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أورد أنواع الدلائل في إثبات التوحيد والنبوّة ، وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها أعرضوا عنها ، ولم يلتفتوا إليها ، ولهذا السبب قال تعالى في حقهم { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِى حياتكم الدنيا } فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالًا وقوة وجاهًا منهم ، ثم إن الله تعالى سلّط العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة ههنا ليعتبر بها أهل مكة ، فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين ، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة في هذا الموضع ، وهو مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال ، وتقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا ، وقوله تعالى: { واذكر أَخَا عَادٍ } أي واذكر يا محمد لقومك أهل مكة هودًا عليه السلام { إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ } أي حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا ، وقوله { بالأحقاف } قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج ، ومنه قيل للمعوج محقوف وقال الفراء الأحقاف واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج ، قال ابن عباس الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } من قبله { وَمِنْ خَلْفِهِ } من بعده والمعنى أن هودًا عليه السلام قد أنذرهم وقال لهم أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب .

واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره .

ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم قالوا { أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } الإفك الصرف ، يقال أفكه عن رأيه أي صرفه ، وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب { عَنْ ءالِهَتِنَا } وعن عبادتها { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } معاجلة العذاب على الشرك { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في وعدك ، فعند هذا قال هود { إِنَّمَا العلم عِندَ الله } وإنما صلح هذا الكلام جوابًا لقولهم { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } لأن قولهم { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب ، إنما علم ذلك عند الله تعالى { وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ } وهو التحذير عن العذاب ، وأما العلم بوقته فما أوحاه الله إليّ { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } وهذا يحتمل وجوهًا الأول: المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين الثاني: أراكم قومًا تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذ الجهل المفرط والوقاحة التامة الثالث: { إِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقًا ، ولكن لم يظهر أيضًا لكم كوني كاذبًا فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت