فهرس الكتاب

الصفحة 2569 من 8321

ثم قال تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص .

والمعنى أنه تعالى بيّن في التوراة أن حكم الزاني المحصن هو الرجم ، واليهود غيروه وبدلوه ، وبيّن في هذه الآية أيضًا أنه تعالى بيّن في التوراة أن النفس بالنفس ، وهؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم أيضًا ، ففضلوا بني النضير على بني قريظة ، وخصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير ، فهذا هو وجه النظم من الآية ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الكسائي: العين والأنف والأذن والسن والجروح كلها بالرفع ، وفيه وجوه: أحدها: العطف على محل { أن النفس } لأن المعنى: وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا ، وثانيها: أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول: كتبت ( الحمد لله ) وقرأت ( سورة أنزلناها ) وثالثها: أنها ترتفع على الاستئناف ، وتقديره: أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين ، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين } [ البقرة: 62 ] وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصف الكل سوى { الجروح } فإنه بالرفع ، فالعين والأنف والأذن نصب عطفًا على النفس ، ثم { الجروح } مبتدأ ، و { قِصَاصٌ } خبره ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفًا لبعض ذلك على بعض ، وخبر الجميع قصاص ، وقرأ نافع { الأذن } بسكون الذال حيث وقع ، والباقون بالضم مثقلة ، وهما لغتان .

المسألة الثانية: قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس ، يريد من قتل نفسًا بغير قود قيد منه ، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح ، إنما هو العفو أو القصاص . وعن ابن عباس: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية ، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة ، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف ، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال { والجروح قِصَاصٌ } وهو كل ما يمكن أن يقتص منه ، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها ، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم ، أو كسر في عظم ، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة .

واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعًا في التوراة ، فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال: هذه الآية حجة في شرعنا ، ومن أنكر ذلك قال: إنها ليست بحجة علينا .

المسألة الثالثة: { قِصَاصٌ } هاهنا مصدر يراد به المفعول ، أي والجروح متقاصة بعضها ببعض .

ثم قال تعالى: { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } الضمير في قوله { لَهُ } يحتمل أن يكون عائدًا إلى العافي أو إلى المعفو عنه ، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له ، أي للعافي ويتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص 3 في سورة البقرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت