فهرس الكتاب

الصفحة 7553 من 8321

قال مقاتل: إن قوم نوح لما كذبوه زمانًا طويلًا حبس الله عنهم المطر ، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ، فرجعوا فيه إلى نوح ، فقال نوح: استغفروا ربكم من الشرك حتى يفتح عليكم أبواب نعمه .

واعلم أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات ، ويدل عليه وجوه أحدها: أن الكفر سبب لخراب العالم على ما قال في كفر النصارى: { تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدًّا * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَدًا } [ مريم: 90 ، 91 ] فلما كان الكفر سببًا لخراب العالم ، وجب أن يكون الإيمان سببًا لعمارة العالم وثانيها: الآيات منها هذه الآية ومنها قوله: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات } [ الأعراف: 96 ] { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ } [ المائدة: 66 ] { وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأسقيناهم مَّاء غَدَقًا } [ الجن: 16 ] { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } [ الطلاق: 2 3 ] { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } [ طه: 132 ] وثالثها: أنه تعالى قال: { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] فإذا اشتغلوا بتحصيل المقصود حصل ما يحتاج إليه في الدنيا على سبيل التبعية ورابعها: أن عمر خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار ، فقيل له: ما رأيناك استسقيت ، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء . المجدح ثلاثة كواكب مخصوصة ، ونوءه يكون عزيزًا شبه عمر ( الاستغفار ) بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء ، وعن بكر بن عبدالله: أن أكثر الناس ذنوبًا أقلهم استغفارًا ، وأكثرهم استغفارًا أقلهم ذنوبًا ، وعن الحسن: أن رجلًا شكا إليه الجدب ، فقال: استغفر الله ، وشكا إليه آخر الفقر ، وآخر قلة النسل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له بعض القوم: أتاك رجال يشكون إليك أنواعًا من الحاجة ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار ، فتلا له الآية ، وههنا سؤالات:

الأول: أن نوحًا عليه السلام أمر الكفار قبل هذه الآية بالعبادة والتقوى والطاعة ، فأي فائدة في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار؟ الجواب: أنه لما أمرهم بالعبادة قالوا له: إن كان الدين القديم الذي كنا عليه حقًا فلم تأمرنا بتركه ، وإن كان باطلًا فكيف يقبلنا بعد أن عصيناه ، فقال نوح عليه السلام: إنكم وإن كنتم عصيتموه ولكن استغفروه من تلك الذنوب ، فإنه سبحانه كان غفارًا .

السؤال الثاني: لم قال: { إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا } ولم يقل: إنه غفار؟ قلنا المراد: إنه كان غفارًا في حق كل من استغفروه كأنه يقول: لا تظنوا أن غفاريته إنما حدثت الآن ، بل هو أبدًا هكذا كان ، فكأن هذا هو حرفته وصنعته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت