فهرس الكتاب

الصفحة 7589 من 8321

هذا من جملة الموحى إليه والتقدير: قل أوحي إلي أنه استمع نفر وأن لو استقاموا فيكون هذا هو النوع الثاني مما أوحي إليه ، وههنا مسائل:

المسألة الأولى: ( أن ) مخففة من الثقيلة والمعنى: وأوحي إليَّ أن الشأن والحديث لو استقاموا لكان كذا وكذا . قال الواحدي: وفصل لو بينها وبين الفعل كفصل ولا السين في قوله: { أَن لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا } [ طه: 89 ] و { عَلِمَ أَن سَيَكُونُ } [ المزمل: 20 ] .

المسألة الثانية: الضمير في قوله: { استقاموا } إلى من يرجع؟ فيه قولان: قال بعضهم: إلى الجن الذين تقدم ذكرهم ووصفهم ، أي هؤلاء القاسطون لو آمنا لفعلنا بهم كذا وكذا . وقال آخرون: بل المراد الإنس ، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أن الترغيب بالانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بالإنس لا بالجن والثاني: أن هذه الآية إنما نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سنين ، أقصى ما في الباب أنه لم يتقدم ذكر الإنس ، ولكنه لما كان ذلك معلومًا جرى مجرى قوله: { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر: 1 ] وقال القاضي: الأقرب أن الكل يدخلون فيه . وأقول: يمكن أن يحتج لصحة قول القاضي بأنه تعالى لما أثبت حكمًا معللًا بعلة وهو الاستقامة ، وجب أن يعم الحكم بعموم العلة .

المسألة الثالثة: الغدق بفتح الدال وكسرها: الماء الكثير ، وقرىء بهما يقال: غدقت العين بالكسر فهي غدقة ، وروضة مغدقة أي كثيرة الماء ، ومطر مغدوق وغيداق وغيدق إذا كان كثير الماء ، وفي المراد بالماء الغدق في هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغيث والمطر ، والثاني: وهو قول أبي مسلم: أنه إشارة إلى الجنة كما قال: { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } [ البقرة: 25 ] وثالثها: أنه المنافع والخيرات جعل الماء كناية عنها ، لأن الماء أصل الخيرات كلها في الدنيا .

المسألة الرابعة: إن قلنا: الضمير في قوله: { استقاموا } راجع إلى الجن كان في الآية قولان: أحدهما: لو استقام الجن على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم ، ونظيره قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب ءامَنُواْ واتقوا } [ المائدة: 65 ] وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ } [ المائدة: 66 ] وقوله: { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ } [ الطلاق: 2 ، 3 ] وقوله: { فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ } إلى قوله { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ } [ نوح: 12 ] وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع ، فإن اللائق بالجن هو هذا الماء المشروب والثاني: أن يكون المعنى وأن لو استقام الجن الذين سمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق ، ونظيره قوله تعالى: { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فِضَّةٍ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت