فهرس الكتاب

الصفحة 3166 من 8321

اعلم أن هذا هو القصة الثانية ، وهي قصة هود مع قومه .

أما قوله: { وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } ففيه أبحاث:

البحث الأول: انتصب قوله: { أخاهم } بقوله: { أَرْسَلْنَا } [ الأعراف: 59 ] في أول الكلام والتقدير { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ } وأرسلنا إِلَى عاد أخاهم هودًا .

البحث الثاني: اتفقوا على أن هودًا ما كان أخًا لهم في الدين . واختلفوا في أنه . هل كان أخا قرابة قريبة أم لا؟ قال الكلبي: إنه كان واحدًا من تلك القبيلة ، وقال آخرون: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة فكفي هذا القدر في تسمية هذه الأخوة ، والمعنى أنا بعثنا إلى عاد واحدًا من جنسهم وهو البشر ليكون إلْفُهُم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل . وما بعثنا إليهم شخصًا من غير جنسهم مثل ملك أو جني .

البحث الثالث: أخاهم: أي صاحبهم ورسولهم ، والعرب تسمي صاحب القوم أخا القوم ، ومنه قوله تعالى: { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } [ الأعراف: 38 ] أي صاحبتها وشبيهتها . وقال عليه السلام:"إن أخا صداء قد أذن وإنما يقيم من أذن"يريد صاحبهم .

البحث الرابع: قالوا نسب هود هذا: هود بن شالخ ، بن أرفخشذ ، بن سام . بن نوح . وأما عاد فهم قوم كانوا باليمن بالأحقاف ، قال ابن إسحق: والأحقاف ، الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت .

البحث الخامس: اعلم أن ألفاظ هذه القصة موافقة للألفاظ المذكورة في قصة نوح عليه السلام إلا في أشياء: الأول: في قصة نوح عليه السلام: { فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله } [ الأعراف: 59 ] وفي قصة هود: { قَالَ يَا قَوْمٌ اعبدوا الله } والفرق أن نوحًا عليه السلام كان مواظبًا على دعواهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة . وأما هود فما كانت مبالغته إلى هذا الحد فلا جرم جاء «فاء التعقيب» في كلام نوح دون كلام هود . والثاني: أن في قصة نوح { اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [ الأعراف: 59 ] وقال في هذه القصة: { اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } [ المؤمنون: 32 ] والفرق بين الصورتين أن قبل نوح عليه السلام لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعة العظيمة وهي الطوفان العظيم ، فلا جرم أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال: { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وأما واقعة هود عليه السلام فقد كانت مسبوقة بواقعة نوح وكان عند الناس علم بتلك الواقعة قريبًا ، فلا جرم اكتفى هود بقوله: { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا فكان قوله: { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المتقدمة المشهورة في الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت