{ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } [ آل عمران: 194 ] أي على لسان رسلك . وقال آخرون: { ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ } منزل على رجل ، وقوله: { مِّنكُمْ } أي تعرفون نسبه فهو منكم نسبًا ، وذلك لأن كونه منهم يزيل التعجب ، لأن المرء بمن هو من جنسه أعرف ، وبطهارة أحواله أعلم ، وبما يقتضي السكون إليه أبصر ، ثم بين تعالى ما لأجله يبعث الرسول ، فقال: { لِيُنذِرَكُمْ } وما لأجله ينذر ، فقال: { وَلِتَتَّقُواْ } وما لأجله يتقون ، فقال: { وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وهذا الترتيب في غاية الحسن ، فإن المقصود من البعثة الإنذار ، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي ، والمقصود من التقوى ، الفوز بالرحمة في دار الآخرة . قال الجبائي والكعبي والقاضي: هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من الذين بعث الرسل إليهم ، التقوى والفوز بالرحمة ، وذلك يبطل قول من يقول: إنه تعالى أراد من بعضهم الكفر والعناد ، وخلقهم لأجل العذاب والنار .
وجواب أصحابنا أن نقول: إن لم يتوقف الفعل على الداعي لزم رجحان الممكن لا لمرجح ، وإن توقف لزم الجبر ، ومتى لزم ذلك وجب القطع ، فإنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، وذلك يبطل مذهبكم . ثم بين تعالى أنهم مع ذلك كذبوه في ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب ، ثم إنه تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان معه من المؤمنين وأغرق الكفار والمكذبين . وبين العلة في ذلك فقال: { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ } قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ، قال أهل اللغة: يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الانباء يَوْمَئِذٍ } [ القصص: 66 ] وقال: { قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } [ الأنعام: 104 ] قال زهير:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي
قال صاحب «الكشاف» : قرىء { عَامِيْنِ } والفرق بين العمي والعامي أن العمي يدل على عمي ثابت . والعامي على عمي حادث ، ولا شك أن عماهم كان ثابتًا راسخًا ، والدليل عليه قوله تعالى في آية أخرى: { وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ } [ هود: 36 ] .