واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال: { كَلاَّ } وهو ردع للإنسان عن تلك المقالة ، قال ابن عباس: المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته علي ، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي ، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة ، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة ، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل ، وإما على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو ، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته ، ويقتر على المؤمن لا لهوانه ، ثم إنه تعالى لما حكى من أقوالهم تلك الشبهة فكأنه قال: بل لهم فعل هو شر من هذا القول ، وهو أن الله تعالى يكرمهم بكثرة المال ، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم ، فقال: { بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو: { يكرمون } وما بعده بالياء المنقوطة من تحت ، وذلك أنه لما تقدم ذكر الإنسان ، وكان يراد به الجنس والكثرة ، وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون ويحبون عليه ، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل لهم يا محمد ذلك .
المسألة الثانية: قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف ، فكان يدفعه عن حقه .
واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه أحدها: ترك بره ، وإليه الإشارة بقوله: { وَلاَ تَحَاضُّونَ على طَعَامِ المسكين } والثاني: دفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلًا لَّمًّا } والثالث: أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله: { وَتُحِبُّونَ المال حُبًّا جَمًّا } أي تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم ، أما قوله: { ولا تحضون على طعام المسكين } قال مقاتل: ولا تطعمون مسكينًا ، والمعنى لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى: { إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم * وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } [ الحاقة: 34 33 ] ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون فحذف تاء تتفاعلون ، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضًا وفي قراءة ابن مسعود: { وَلاَ تَحَاضُّونَ } بضم التاء من المحاضة .
أما قوله: { وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلًا لَّمًّا } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قالوا: أصل التراث وراث ، والتاء تبدل من الواو المضمومة نحو تجاه ووجاه من واجهت .
المسألة الثانية: قال الليث: اللم الجمع الشديد ، ومنه كتيبة ملمومة وحجر ملموم ، والآكل يلم الثريد فيجعله لقمًا ثم يأكله ويقال لممت ما على الخوان ألمه أي أكلته أجمع ، فمعنى اللم في اللغة الجمع ، وأما التفسير ففيه وجوه أحدها: قال الواحدي والمفسرون: يقولون في قوله: { أَكْلًا لَّمًّا } أي شديدًا وهو حل معنى وليس بتفسير ، وتفسيره أن اللم مصدر جعل نعتًا للأكل ، والمراد به الفاعل أي آكلًا لامًّا أي جائعًا كأنهم يستوعبونه بالأكل ، قال الزجاج: كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافًا وبدارًا ، فقال الله: { وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلًا لَّمًّا } أي تراث اليتامى لمًا أي تلمون جميعه ، وقال الحسن: أي يأكلون نصيبهم ونصيب صاحبهم ، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم وثانيها: أن المال الذي يبقى من الميت بعضه حلال ، وبعضه شبهة وبعضه حرام ، فالوارث يلم الكل أي يضم البعض إلى البعض ويأخذ الكل ويأكله وثالثها: قال صاحب «الكشاف» : ويجوز أن يكون الذم متوجهًا إلى الوارث الذي ظفر بالمال سهلًا مهلًا من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلًا لمًا واسعًا ، جامعًا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه ، كما يفعله الوراث البطالون .