فهرس الكتاب

الصفحة 7172 من 8321

ذكر بعد دليل الخلق دليل الرزق فقوله: { أَفَرَأيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } إشارة إلى دليل الخلق وبه الابتداء ، وقوله: { أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } إشارة إلى دليل الرزق وبه البقاء ، وذكر أمورًا ثلاثة المأكول ، والمشروب ، وما به إصلاح المأكول ، ورتبه ترتيبًا فذكر المأكول أولًا لأنه هو الغذاء ، ثم المشروب لأن به الاستمراء ، ثم النار للتي بها الإصلاح وذكر من كل نوع ما هو الأصل ، فذكر من المأكول الحب فإنه هو الأصل ، ومن المشروب الماء لأنه هو الأصل ، وذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية وأعمها ، ودخل في كل واحد منها ما هو دونه ، هذا هو الترتيب ، وأما التفسير فنقول: الفرق بين الحرث والزرع هو أن الحرث أوائل الزرع ومقدماته من كراب الأرض ، وإلقاء البذر ، وسقي المبذور ، والزرع هو آخر الحرث من خروج النبات واستغلاظه واستوائه على الساق ، فقوله: { أَفَرَأيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } أي ما تبتدئون منه من الأعمال أأنتم تبلغونها المقصود أم الله؟ ولا يشك أحد في أن إيجاد الحب في السنبلة ليس بفعل الناس ، وليس بفعلهم إن كان سوى إلقاء البذر والسقي ، فإن قيل: هذا يدل على أن الله هو الزارع ، فكيف قال تعالى: { يُعْجِبُ الزراع } [ الفتح: 29 ] وقال النبي A: « الزرع للزارع » قلنا قد ثبت من التفسير أن الحرث متصل بالزرع ، فالحرث أوائل الزرع ، والزرع أواخر الحرث ، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر ، لكن قوله: { يُعْجِبُ الزراع } بدلًا عن قوله: يعجب الحراث ، يدل على أن الحارث إذا كان هو المبتدي ، فربما يتعجب بما يترتب على فعله من خروج النبات والزارع لما كان هو المنتهي ، ولا يعجبه إلا شيء عظيم ، فقال: { يُعْجِبُ الزراع } الذين تعودوا أخذ الحراث ، فما ظنك بإعجابه الحراث ، وقوله A: « الزرع للزارع » فيه فائدة ، لأنه لو قال: للحارث فمن ابتدأ بعمل الزرع وأتى بكراب الأرض وتسويتها يصير حارثًا ، وذلك قبل إلقاء البذرة لزرع لمن أتى بالأمر المتأخر وهو إلقاء البذر ، أي من له البذر على مذهب أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه وهذا أظهر ، لأنه بمجرد الإلقاء في الأرض يجعل الزرع للملقى سواء كان مالكًا أو غاصبًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت