فهرس الكتاب

الصفحة 7171 من 8321

{ وَلَوْ نَشَاء لمسخناهم على مكانتهم } [ يس: 67 ] وعلى ما قلت في تفسير المسبوقين ، وجعلت المتعلق لقوله: { على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم } هو قوله: { نَحْنُ قَدَّرْنَا } فيكون قوله: { نُّبَدّلَ أمثالكم } معناه على أن نبدل أمثالهم لا على عملهم ، نقول: هذا إيراد وارد على المفسرين بأسرهم إذا فسروا الأمثال بجمع المثل ، وهو الظاهر كما في قوله تعالى: { ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم } [ محمد: 38 ] وقوله: { وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أمثالهم تَبْدِيلًا } [ الإنسان: 28 ] فإن قوله: { إِذَا } دليل الوقوع ، وتغير أوصافهم بالمسخ ليس أمرًا يقع والجواب أن يقال: الأمثال إما أن يكون جمع مثل ، وإما جمع مثل ، فإن كان جمع مثل فنقول معناه قدرنا بينكم الموت على هذا الوجه ، وهو أن نغير أوصافكم فتكونوا أطفالًا ، ثم شبانًا ، ثم كهولًا ، ثم شيوخًا ، ثم يدرككم الأجل ، وما قدرنا بينكم الموت على أن نهلككم دفعة واحدة إلا إذا جاء وقت ذلك فتهلكون بنفخة واحدة وإن قلنا: هو جمع مثل فنقول معنى: { نُّبَدّلَ أمثالكم } نجعل أمثالكم بدلًا وبدله بمعنى جعله بدلًا ، ولم يحسن أن يقال: بدلناكم على هذا الوجه ، لأنه يفيد أنا جعلنا بدلًا فلا يدل على وقوع الفناه عليهم ، غاية ما في الباب أن قول القائل: جعلت كذا بدلًا لا تتم فائدته إلا إذا قال: جعلته بدلًا عن كذا لكنه تعالى لما قال: { نُّبَدّلَ أمثالكم } فالمثل يدل على المثل ، فكأنه قال: جعلنا أمثالكم بدلًا لكم ، ومعناه على ما ذكرنا أنه لم نقدر الموت على أن نفني الخلق دفعة بل قدرناه على أن نجعل مثلهم بدلهم مدة طويلة ثم نهلكهم جميعًا ثم ننشئهم ، وقوله تعالى: { فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } على الوجه المشهور في التفسير أنه فيما لا تعلمون من الأوصاف والأخلاق ، والظاهر أن المراد: { فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } من الأوصاف والزمان ، فإن أحدًا لا يدري أنه متى يموت ومتى ينشأ أو كأنهم قالوا: ومتى الساعة والإنشاء؟ فقال: لا علم لكم بهما ، هذا إذا قلنا: إن المراد ما ذكر فيه على الوجه المشهور وفيه لطيفة: وهي أن قوله: { فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } تقرير لقوله: { أأنتم تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون } [ الواقعة: 59 ] وكأنه قال: كيف يمكن أن تقولوا هذا وأنتم تنشأون في بطون أمهاتكم على أوصاف لا تعلمون وكيف يكون خالق الشيء غير عالم به؟ وهو كقوله تعالى: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أمهاتكم } [ النجم: 32 ] وعلى ما ذكرنا فيه فائدة وهي التحريض على العمل الصالح ، لأن التبديل والإنشاء وهو الموت والحشر إذا كان واقعًا في زمان لا يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد العدة ، وقال تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى } تقريرًا لإمكان النشأة الثانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت