فهرس الكتاب

الصفحة 7170 من 8321

{ خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ } [ الملك: 2 ] معناه أمات وأحيا لتعلموا أنه فاعل مختار ، فتعبدونه وتعتقدون الثواب والعقاب فيحسن عملكم ولو اعتقدتموه موجبًا لما عملتم شيئًا على هذا التفسير المشهور ، والظاهر أن المراد من قوله: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } حقيقته وهي أنا ما سبقنا وهو يحتمل شيئين أحدهما: أن يكون معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شيء وثانيهما: في خلق الناس وتقدير الموت فيهم ما سبق وهو على طريقة منع آخر وفيه فائدتان أما إذا قلنا: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } معناه ما سبقنا شيء فهو إشارة إلى أنكم من أي وجه تسلكون طريق النظر تنتهون إلى الله وتقفون عنده ولا تجاوزونه ، فإنكم إن كنتم تقولون: قبل النطفة أب وقبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتهاء النطف والآباء إلى خالق غير مخلوق ، وأنا ذلك فإني لست بمسبوق وليس هناك خالق ولا سابق غيري ، وهذا يكون على طريقة التدرج والنزول من مقام إلى مقام ، والعاقل الذي هداه الله تعالى الهداية القوية يعرف أولًا والذي دونه يعرف بعد ذلك برتبة ، والمعاند لا بد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب ، ويقول: لا بد للكل من إله ، وهو ليس بمسبوق فيما فعله ، فمعناه أنه فعل ما فعل ، ولم يكن لمفعوله مثال ، وأما إن قلنا: إنه ليس بمسبوق ، وأي حاجة في إعادته له بمثال هو أهون فيكون كقوله تعالى: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ] ويؤيده قوله تعالى: { على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لا تَعْلَمُونَ } فإن قيل: هذا لا يصح ، لأن مثل هذا ورد في سؤال سائل ، والمراد ما ذكرنا كأنه قال: وإنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وما نحن بمسبوقين ، أي لسنا بعاجزين مغلوبين فهذا دليلنا ، وذلك لأن قوله تعالى: { إِنَّا لقادرون } أفاد فائدة انتفاء العجز عنه ، فلا بد من أن يكون لقوله تعالى: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } فائدة ظاهرة ، ثم قال تعالى: { على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم } في الوجه المشهور ، قوله تعالى: { على أَن نُّبَدّلَ } يتعلق بقوله: { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } أي على التبديل ، ومعناه وما نحن عاجزين عن التبديل .

والتحقيق في هذا الوجه أن من سبقه الشيء كأنه غلبه فعجز عنه ، وكلمة على في هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شيء ، فإن من سبق غيره على أمر فهو الغالب ، وعلى الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى: { نَحْنُ قَدَّرْنَا } وتقديره: نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع النسل من أول الأمر ، كما يقول القائل: خرج فلان على أن يرجع عاجلًا ، أي على هذا الوجه خرج ، وتعلق كلمة على هذا الوجه أظهر ، فإن قيل: على ما ذهب إليه المفسرون لا إشكال في تبديل أمثالكم ، أي أشكالكم وأوصافكم ، ويكون الأمثال جمع مثل ، ويكون معناه وما نحن بعاجزين على أن نمسخكم ، ونجعلكم في صورة قردة وخنازير ، فيكون كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت