فهرس الكتاب

الصفحة 3410 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع نعمه على الرسول وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب: الأول: الثبات وهو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها بالتولي . والثاني: أن يذكروا الله كثيرًا ، وفي تفسير هذا الذكر قولان:

القول الأول: أن يكونوا بقلوبهم ذاكرين الله وبألسنتهم ذاكرين الله . قال ابن عباس: أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم ، تنبيهًا على أن الإنسان لا يجوز أن يخلى قلبه ولسانه عن ذكر الله ، ولو أن رجلًا أقبل من المغرب إلى المشرق ينفق الأموال سخاء ، والآخر من المشرق إلى المغرب يضرب بسيفه في سبيل الله ، كان الذاكر لله أعظم أجرًا .

والقول الثاني: أن المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر ، لأن ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى .

ثم قال: { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وذلك لأن مقاتلة الكافر إن كانت لأجل طاعة الله تعالى كان ذلك جاريًا مجرى بذل الروح في طلب مرضاة الله تعالى ، وهذا هو أعظم مقامات العبودية ، فإن غلب الخصم فاز بالثواب والغنيمة ، وإن صار مغلوبًا فاز بالشهادة والدرجات العالية ، أما إن كانت المقاتلة لا لله بل لأجل الثناء في الدنيا وطلب المال لم يكن ذلك وسيلة إلى الفلاح والنجاح .

فإن قيل: فهذه الآية توجب الثبات على كل حال ، وهذا يوهم أنها ناسخة لآية التحرف والتحيز .

قلنا: هذه الآية توجب الثبات في الجملة ، والمراد من الثبات الجد في المحاربة . وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول الثبات في المحاربة بل كان الثبات في هذا المقصود ، لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز .

ثم قال تعالى مؤكدًا لذلك: { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في سائر ما يأمر به ، لأن الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات .

ثم قال: { وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: بين تعالى أن النزاع يوجب أمرين: أحدهما: أنه يوجب حصول الفشل والضعف . والثاني: قوله: { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } وفيه قولان: الأول: المراد بالريح الدولة ، شبهت الدولة وقت نفاذها وتمشية أمرها بالريح وهبوبها . يقال: هبت رياح فلان ، إذا دانت له الدولة ونفد أمره . الثاني: أنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله ، وفي الحديث « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » والقول الأول أقوى ، لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثرًا في ذهاب الريح ، ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا . قال مجاهد: { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } أي نصرتكم ، وذهبت ريح أصحاب محمد حين تنازعوا يوم أحد .

المسألة الثانية: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: القول بالقياس يفضي إلى المنازعة ، والمنازعة محرمة ، فهذه الآية توجب أن يكون العمل بالقياس حرامًا ، بيان الملازمة المشاهدة ، فإنا نرى أن الدنيا صارت مملوءة من الاختلافات بسبب القياسات ، وبيان أن المنازعة محرمة . قوله: { وَلاَ تنازعوا } وأيضًا القائلون بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسكوا بهذه الآية . وقالوا: قوله تعالى: { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نص عليه ، ثم أتبعه بأن قال: { وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ } ومعلوم أن من تمسك بالقياس المخصص بالنص فقد ترك طاعة الله وطاعة رسوله . وتمسك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل ، وكل ذلك حرام ، ومثبتو القياس أجابوا عن الأول؛ بأنه ليس كل قياس يوجب المنازعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت