ثم قال تعالى: { واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين } والمقصود أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر ، فأمرهم بالصبر . كما قال في آية أخرى: { اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } [ آل عمران: 200 ] وبين أنه تعالى مع الصابرين ، ولا شبهة أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة .
ثم قال: { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم بَطَرًا وَرِئَاء الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } قال المفسرون: المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير ، فلما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني كان صديقًا لأبي جهل إليه بهدايا مع ابن له ، فلما أتاه قال: إن أبي ينعمك صباحًا ويقول لك إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك ، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت ، فقال أبو جهل: قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرًا ، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من طاقة ، وإن كنا نقاتل الناس ، فوالله إن بنا على الناس لقوة ، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرًا فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا فيها القيان ، فإن بدرًا موسم من مواسم العرب ، وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه الواقعة . قال المفسرون: فوردوا بدرًا وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان .
واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء: الأول: البطر قال الزجاج: البطر الطغيان في النعمة . والتحقيق أن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها إلى مرضاته وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر . وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر . والثاني: قوله: { وَرِئَاء الناس } والرئاء عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل مع أن باطنه يكون قبيحًا ، والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر ، والرئاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية . روي أنه A لما رآهم في موقف بدر قال: « اللهم أن قريشًا أقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك » والثالث: قوله: { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } فعل مضارع وعطف الفعل على الاسم غير حسن .