وذكر الواحدي فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون قوله: { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } بمنزلة صادين . والثاني: أن يكون قوله: { بَطَرًا وَرِئَاء } بمنزلة يبطرون ويراؤن ، وأقول: إن شيئًا من هذه الوجوه لا يشفي الغليل ، لأنه تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ، ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها ، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر ، وعن الثالث بالفعل . وأقول: إن الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، ذكر أن الاسم يدل على التمكين والاستمرار والفعل على التجدد والحدوث ، قال ومثاله في الاسم قوله تعالى: { وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } [ الكهف: 18 ] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة ، ومثال الفعل قوله تعالى: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض } [ يونس: 31 ] وذلك يدل على أنه تعالى يوصل الرزق إليهم ساعة فساعة ، هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر .
إذا عرفت هذا فنقول: إن أبا جهل ورهطه وشيعته كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب ، وأما صدهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ادعى محمد E النبوة . ولهذا السبب ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم ، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل والله أعلم .
وحاصل الكلام: أنه تعالى أمرهم عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر الله ، ومنعهم من أن يكون الحامل لهم على ذلك الثبات؛ البطر والرئاء ، بل أوجب عليهم أن يكون الحامل لهم عليه طلب عبودية الله .
واعلم أن حاصل القرآن من أوله إلى آخره دعوة الخلق من الاشتغال بالخلق ، وأمرهم بالعناء في طريق عبودية الحق ، والمعصية مع الانكسار أقرب إلى الإخلاص من الطاعة مع الافتخار ، ثم ختم هذه الآية بقوله: { والله بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } والمقصود أن الإنسان ربما أظهر من نفسه أن الحامل له والداعي إلى الفعل المخصوص طلب مرضاة الله تعالى مع أنه لا يكون الأمر كذلك في الحقيقة ، فبين تعالى كونه عالمًا بما في دواخل القلوب ، وذلك كالتهديد والزجر عن الرئاء والتصنع .