فهرس الكتاب

الصفحة 6937 من 8321

ثم قال تعالى: { الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم } ( الذين ) يحتمل أن يكون بدلًا عن الذين أحسنوا وهو الظاهر ، وكأنه تعالى قال ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أحسنوا ، ويتبين به أن المحسن ليس ينفع الله بإحسانه شيئًا وهو الذي لا يسيء ولا يرتكب القبيح الذي هو سيئة في نفسه عند ربه فالذين أحسنوا هم الذين اجتنبوا ولهم الحسنى ، وبهذا يتبين المسيء والمحسن لأن من لا يجتنب كبائر الإثم يكون مسيئًا والذي يجتنبها يكون محسنًا ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهو أن المحسن لما كان هو من يجتنب الآثام فالذي يأتي بالنوافل يكون فوق المحسن ، لكن الله تعالى وعد المحسن بالزيادة فالذي فوقه يكون له زيادات فوقها وهم الذين لهم جزاء الضعف ، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام تقديره الذين يجتنبون كبائر الإثم يغفر الله لهم والذي يدل عليه قوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة } وعلى هذا تكون هذه الآية مع ما قبلها مبينة لحال المسيء والمحسن وحال من لم يحسن ولم يسيء وهم الذين لم يرتكبوا سيئة وإن لم تصدر منهم الحسنات ، وهم كالصبيان الذين لم يوجد فيهم شرائط التكليف ولهم الغفران وهو دون الحسنى ، ويظهر هذا بقوله تعالى بعده: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ } أي يعلم الحالة التي لا إحسان فيها ولا إساءة ، كما علم من أساء وضل ومن أحسن واهتدى ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: إذا كان بدلًا عن الذين أحسنوا فلم خالف ما بعده بالمضي والاستقبال حيث قال تعالى: { الذين أَحْسَنُواْ } [ النجم: 31 ] وقال: { الذين يَجْتَنِبُونَ } ولم يقل اجتنبوا؟ نقول: هو كما يقول القائل الذين سألوني أعطيتهم ، الذين يترددون إلى سائلين أي الذين عادتهم التردد والسؤال سألوني وأعطيتهم فكذلك ههنا قال: { الذين يَجْتَنِبُونَ } أي الذين عادتهم ودأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة وقدموا عليها أخرى ، فإن قيل: في كثير من المواضع قال في الكبائر { والذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } [ الشورى: 37 ] وقال في عباد الطاغوت: { والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى الله } [ الزمر: 17 ] فما الفرق؟ نقول: عبادة الطاغوت راجعة إلى الاعتقاد والاعتقاد إذا وجد دام ظاهرًا فمن اجتنبها اعتقد بطلانها فيستمر ، وأما مثل الشرب والزنا أمر يختلف أحوال الناس فيه فيتركه زمانًا ويعود إليه ولهذا يستبرأ الفاسق إذا تاب ولا يستبرأ الكافر إذا أسلم ، فقال في الآثام: { الذين يَجْتَنِبُونَ } دائمًا ، ويثابرون على الترك أبدًا ، وفي عبادة الأصنام: { اجتنبوا } بصيغة الماضي ليكون أدل على الحصول ، ولأن كبائر الإثم لها عدد أنواع فينبغي أن يجتنب عن نوع ويجتنب عن آخر ويجتنب عن ثالث ففيه تكرر وتجدد فاستعمل فيه صيغة الاستقبال ، وعبادة الصنم أمر واحد متحد ، فترك فيه ذلك الاستعمال وأتى بصيغة الماضي الدالة على وقوع الاجتناب لها دفعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت