فهرس الكتاب

الصفحة 2868 من 8321

اعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد . وأنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل التوحيد ، وإبطال الشرك ، وقرر تعالى ذلك الدليل بالوجوه الواضحة شرع بعده في تقرير أمر النبوة ، فقال: { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } حيث أنكروا النبوة والرسالة ، فهذا بيان وجه نظم هذه الآيات وأنه في غاية الحسن . وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير قوله تعالى: { مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } وجوه: قال ابن عباس: ما عظموا الله حق تعظيمه . وروي عنه أيضًا أنه قال معناه: ما آمنوا إن الله على كل شيء قدير . وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته . وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته ، وحقق الواحدي C ذلك ، فقال يقال: قدر الشيء إذا سبره وحرره ، وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدرًا ومنه قوله عليه السلام: « وإن غم عليكم فاقدروا له » أي فاطلبوا أن تعرفوه هذا أصله في اللغة ، ثم قال يقال لمن عرف شيئًا هو يقدر قدره ، وإذا لم يعرفه بصفاته أنه لا يقدر قدره ، فقوله: { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } صحيح في كل المعاني المذكورة .

المسألة الثانية: أنه تعالى لما حكى عنهم { أَنَّهُمْ ما قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } بين السبب فيه ، وذلك هو قولهم ما أنزل الله علي بشر من شيء .

واعلم أن كل من أنكر النبوة والرسالة فهو في الحقيقة ما عرف الله حق معرفته ، وتقريره من وجوه: الأول: أن منكر البعثة والرسالة إما أن يقول: إنه تعالى ما كلف أحدًا من الخلق تكليفًا أصلًا ، أو يقول: إنه تعالى كلفهم التكاليف ، والأول باطل ، لأن ذلك يقتضي أنه تعالى أباح لهم جميع المنكرات والقبائح نحو شتم الله ، ووصفه بما لا يليق به ، والاستخفاف بالأنبياء والرسل وأهل الدين ، والإعراض عن شكر النعم ، ومقابلة الإنعام بالإساءة . ومعلوم أن كل ذلك باطل . وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي ، فههنا لا بد من مبلغ وشارع ومبين ، وما ذاك إلا الرسول .

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: العقل كاف في إيجاب الواجبات واجتناب المقبحات؟

قلنا: هب أن الأمر كما قلتم . إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلي بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام . فثبت أن كل من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة الله تعالى . وكان ذلك جهلًا بصفة الإلهية ، وحينئذ يصدق في حقه قوله تعالى: { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } .

الوجه الثاني: في تقرير هذا المعنى أن من الناس من يقول إنه يمتنع بعثة الأنبياء والرسل ، لأنه يمتنع إظهار المعجزة على وفق دعواه تصديقًا له ، والقائلون بهذا القول لهم مقامان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت