وفيه مسائل:
المسألة الأولى: { يَوْمٍ } منصوب برجعه ومن جعل الضمير في رجعه للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بقوله: { فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ } أي ماله من قوة ذلك اليوم .
المسألة الثانية: { تبلى } أي تختبر ، والسرائر ما أسر في القلوب من العقائد والنيات ، وما أخفى من الأعمال ، وفي كيفية الابتلاء والاختبار ههنا أقوال:
الأول: ما ذكره القفال معنى الاختبار ههنا أن أعمال الإنسان يوم القيامة تعرض عليه وينظر أيضًا في الصحيفة التي كتبت الملائكة فيها تفاصيل أعمالهم ليعلم أن المذكور هل هو مطابق للمكتوب ، ولما كانت المحاسبة يوم القيامة واقعة على هذا الوجه جاز أن يسمى هذا المعنى ابتلاء ، وهذه التسمية غير بعيدة لعباده لأنها ابتلاء وامتحان ، وإن كان عالمًا بتفاصيل ما عملوه وما لم يعملوه .
والوجه الثاني: أن الأفعال إنما يستحق عليها الثواب والعقاب لوجوهها ، فرب فعل يكون ظاهره حسنًا وباطنه قبيحًا ، وربما كان بالعكس . فاختبارها ما يعتبر بين تلك الوجوه المتعارضة من المعارضة والترجيح ، حتى يظهر أن الوجه الراجح ما هو ، والمرجوح ما هو .
الثالث: قال أبو مسلم: بلوت يقع على إظهار الشيء ويقع على امتحانه كقوله: { وَنَبْلُوَ أخباركم } [ محمد: 31 ] وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } [ البقرة: 155 ] ثم قال المفسرون: { السرائر } التي تكون بين الله وبين العبد تختبر يوم القيامة حتى يظهر خبرها من سرها ومؤديها من مضيعها ، وهذا معنى قول ابن عمر Bهما: يبدي الله يوم القيامة كل سر منها ، فيكون ذينًا في الوجوه وشينًا في الوجوه ، يعني من أداها كان وجهه مشرقًا ومن ضيعها كان وجهه أغبر .
المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه لا قوة للعبد ذلك اليوم ، لأن قوة الإنسان إما أن تكون له لذاته أو مستفادة من غيره ، فالأول منفي بقوله تعالى: { فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ } والثاني منفي بقوله: { وَلاَ نَاصِرٍ } والمعنى ماله من قوة يدفع بها عن نفسه ما حل من العذاب { وَلاَ نَاصِرٍ } ينصره في دفعه ولا شك أنه زجر وتحذير ، ومعنى دخول من في قوله: { مِن قُوَّةٍ } على وجه النفي لقليل ذلك وكثيره ، كأنه قيل: ماله من شيء من القوة ولا أحد من الأنصار .
المسألة الرابعة: يمكن أن يتمسك بهذه الآية في نفي الشفاعة ، كقوله تعالى: { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } إلى قوله: { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } [ البقرة: 48 ] ، الجواب: ما تقدم .