فهرس الكتاب

الصفحة 2910 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين فساد قول طوائف أهل الدنيا من المشركين . شرع في إقامة الدلائل على فساد قول من يثبت له الولد فقال: { بَدِيعُ السموات والأرض } .

واعلم أن تفسير قوله: { بَدِيعُ السموات والأرض } قد تقدم في سورة البقرة إلا أنا نشير ههنا إلى ما هو المقصود الأصلي من هذه الآية . فنقول: الإبداع عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال ، ولذلك فإن من أتى في فن من الفنون بطريقة لم يسبقه غيره فيها ، يقال: إنه أبدع فيه .

إذا عرفت هذا فنقول: إن الله تعالى سلم للنصارى أن عيسى حدث من غير أب ولا نطفة بل أنه إنما حدث ودخل في الوجود . لأن الله تعالى أخرجه إلى الوجود من غير سبق الأب .

إذا عرفت هذا فنقول: المقصود من الآية أن يقال إنكم إما أن تريدوا بكونه والدًا لله تعالى أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة ووالد . وإما أن تريدوا بكونه ولد الله تعالى كما هو المألوف المعهود من كون الإنسان ولدًا لأبيه ، وإما أن تريدوا بكونه ولدًا لله مفهومًا ثالثًا مغايرًا لهذين المفهومين .

أما الاحتمال الأول: فباطل ، وذلك لأنه تعالى وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم الأسفل بناء على أسباب معلومة ووسايط مخصوصة إلا أن النصارى يسلمون أن العالم الأسفل محدث ، وإذا كان الأمر كذلك . لزمهم الاعتراف بأنه تعالى خلق السموات والأرض من غير سابقة مادة ولا مدة ، وإذا كان الأمر كذلك . وجب أن يكون إحداثه للسموات والأرض إبداعًا فلو لزم من مجرد كونه مبدعًا لإحداث عيسى عليه السلام كونه والدًا له لزم من كونه مبدعًا للسموات والأرض كونه والدًا لهما . ومعلوم أن ذلك باطل بالاتفاق ، فثبت أن مجرد كونه مبدعًا لعيسى عليه السلام لا يقتضي كونه والدًا له ، فهذا هو المراد من قوله: { بَدِيعُ السموات والأرض } وإنما ذكر السموات والأرض فقط ولم يذكر ما فيهما لأن حدوث ما في السموات والأرض ليس على سبيل الإبداع ، أما حدوث ذات السموات والأرض فقد كان على سبيل الإبداع ، فكان المقصود من الإلزام حاصلًا بذكر السموات والأرض . لا بذكر ما في السموات والأرض ، فهذا إبطال الوجه الأول .

وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون مراد القوم من الولادة هو الأمر المعتاد المعروف من الولادة في الحيوانات ، فهذا أيضًا باطل ويدل عليه وجوه:

الوجه الأول: أن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة وشهوة ، وينفصل عنه جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الصاحبة ، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة ، وكل ذلك على خالق العالم محال . وهذا هو المراد من قوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت