فهرس الكتاب

الصفحة 5645 من 8321

الآية المتقدمة كانت إشارة إلى العلم الحدسي وهو الحاصل من غير طلب فقال { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } على سبيل الاستفهام بمعنى استبعاد عدمه ، وقال في هذه الآية إن لم يحصل لكم هذا العلم فتفكروا في أقطار الأرض لتعلموا بالعلم الفكري ، وهذا لأن الإنسان له مراتب في الإدراك بعضهم يدرك شيئًا من غير تعليم وإقامة برهان له ، وبعضهم لا يفهم إلا بإبانة وبعضهم لا يفهمه أصلًا فقال: إن كنتم لستم من القبيل الأول فسيروا في الأرض ، أي سيروا فكركم في الأرض وأجيلوا ذهنكم في الحوادث الخارجة عن أنفسكم لتعلموا بدء الخلق وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال في الآية الأولى بلفظ الرؤية وفي هذه بلفظ النظر ما الحكمة فيه؟ نقول العلم الحدسي أتم من العلم الفكري كما تبين ، والرؤية أتم من النظر لأن النظر يفضي إلى الرؤية ، يقال نظرت فرأيت والمفضي إلى الشيء دون ذلك الشيء ، فقال في الأول أما حصلت لكم الرؤية فانظروا في الأرض لتحصل لكم الرؤية .

المسألة الثانية: ذكر هذه الآية بصيغة الأمر وفي الآية الأولى بصيغة الاستفهام لأن العلم الحدسي إن حصل فالأمر به تحصيل الحاصل ، وإن لم يحصل فلا يحصل إلا بالطلب لأن بالطلب يصير الحاصل فكريًا فيكون الأمر به تكليف ما لا يطاق ، وأما العلم الفكري فهو مقدور فورد الأمر به .

المسألة الثالثة: أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: { كَيْفَ يُبْدِىء الله } وأضمره عند الإعادة وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: { ثُمَّ الله يُنشِىء } لأن في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البدء فقال: { كَيْفَ يُبْدِىء الله } ثم قال: { ثُمَّ يُعِيدُهُ } كما يقول القائل ضرب زيد عمرًا ثم ضرب بكرًا ولا يحتاج إلى إظهار اسم زيد اكتفاء بالأول ، وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندًا إلى الله فاكتفى به ولم يبرزه كقوله القائل أما علمت كيف خرج زيد ، اسمع مني كيف خرج ، ولا يظهر اسم زيد ، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيًا حيث قال: { ثُمَّ الله يُنشِىء } مع أنه كان يكفي أن يقول: ثم ينشيء النشأة الآخرة ، فلحكمة بالغة وهي ما ذكرنا أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمًا من يفهم المسمى به بصفات كماله ونعوت جلاله يقطع بجواز الإعادة فقال الله مظهرًا مبرزًا ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته ويعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته ، فإن قيل فلم لم يقل ثم الله يعيده لعين ما ذكرت من الحكمة والفائدة؟ نقول لوجهين أحدهما: أن الله كان مظهرًا مبرزًا بقرب منه وهو في قوله: { كَيْفَ يُبْدِىء الله الخلق } ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق وأما ههنا فلم يكن مذكورًا عند البدء فأظهره وثانيهما: أن الدليل ههنا تم على جواز الإعادة لأن الدلائل منحصرة في الآفاق وفي الأنفس ، كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت