فهرس الكتاب

الصفحة 1357 من 8321

الحكم الثالث عشر

عدة الوفاة

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال الله تعالى: { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا } [ الزمر: 42 ] وأصل التوفي أخذ الشيء وافيًا كاملًا ، فمن مات فقد وجد عمره وافيًا كاملًا ، ويقال: توفي فلان ، وتوفي إذا مات ، فمن قال: توفي . كان معناه قبض وأخذ ومن قال: توفى . كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة علي عليه السلام يتوفون بفتح الياء .

وأما قوله: { وَيَذَرُونَ } معناه: يتركون ، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر استغناءً عنه يترك تركًا ، ومثله يدع في رفض مصدره وماضيه ، فهذان الفعلان العابر والأمر منهما موجودان ، يقال: فلان يدع كذا ويذر ويقال: دعه وذره أما الماضي والمصدر فغير موجودين منهما والأزواج ههنا النساء والعرب تسمي الرجل زوجًا وامرأته زوجًا له ، وربما ألحقوا بها الهاء .

المسألة الثانية: قوله: { والذين } مبتدأ ولا بد له من خبر ، واختلفوا في خبره على أقوال الأول: أن المضاف محذوف والتقدير ، وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن والثاني: وهو قول الأخفش التقدير: يتربصن بعدهم إلا أنه أسقط لظهوره كقوله: السمن منوان بدرهم وقوله تعالى: { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور } [ الشورى: 43 ] والثالث: وهو قول المبرد: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا ، أزواجهم يتربصن ، قال: وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى: { قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار } [ الحج: 72 ] يعني هو النار ، وقوله: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } [ يوسف: 18 ] .

فإن قيل: أنتم أضمرتم ههنا مبتدأ مضافًا ، وليس ذلك شيئًا واحدًا بل شيئان ، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد . { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِى البلاد * متاع قَلِيلٌ } [ آل عمران: 196 ، 197 ] والمعنى: تقلبهم متاع قليل الرابع: وهو قول الكسائي والفراء ، أن قوله تعالى: { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } مبتدأ ، إلا أن الغرض غير متعلق ههنا ببيان حكم عائد إليهم ، بل ببيان حكم عائد إلى أزوجهم ، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبرًا ، وأنكر المبرد والزجاج ذلك ، لأن مجىء المبتدأ بدون الخبر محال .

المسألة الثالثة: قد بينا فيما تقدم معنى التربص ، وبينا الفائدة في قوله: { بِأَنفُسِهِنَّ } وبينا أن هذا وإن كان خبرًا إلا أن المقصود منه هو الأمر ، وبينا الفائدة في العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر .

المسألة الرابعة: قوله: { وَعَشْرًا } مذكور بلفظ التأنيث مع أن المراد عشرة أيام ، وذكروا في العذر عنه وجوهًا الأول: تغليب الليالي على الأيام وذلك أن ابتداء الشهر يكون من الليل ، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت ، لأن الأوائل أقوى من الثواني ، قال ابن السكيت: يقولون صمنا خمسًا من الشهر ، فيغلبون الليالي على الأيام ، إذ لم يذكروا الأيام ، فإذا أظهروا الأيام قالوا صمنا خمسة أيام الثاني: أن هذه الأيام أيام الحزن والمكروه ، ومثل هذه الأيام تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة ، كقولهم: خرجنا ليالي الفتنة ، وجئنا ليالي إمارة الحجاج والثالث: ذكره المبرد ، وهو أنه إنما أنث العشر لأن المراد به المدة ، معناه وعشر مدد ، وتلك المدة كل مدة منها يوم وليلة الرابع: ذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية ، فقال: إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج ، فيتأول العشرة بالليالي ، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت