تبيينًا لما تقدم وتقريرًا له ، وذلك لأن السخرية من الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان ، فهو جائز لما بينا أن قوله { لا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا } [ الحجرات: 12 ] وقوله { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات: 11 ] منع من عيب المؤمن وغيبته ، وإن لم يكن لذلك السبب فلا يجوز ، لأن الناس بعمومهم كفارًا كانوا أو مؤمنين يشتركون فيما يفتخر به المفتخر غير الإيمان والكفر ، والافتخار إن كان بسبب الغنى ، فالكافر قد يكون غنيًا ، والمؤمن فقيرًا وبالعكس ، وإن كان بسبب النسب ، فالكافر قد يكون نسيبًا ، والمؤمن قد يكون عبدًا أسود وبالعكس ، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون متقاربون ، وشيء من ذلك لا يؤثر مع عدم التقوى ، فإن كل من يتدين بدين يعرف أن من يوافقه في دينه أشرف ممن يخالفه فيه ، وإن كان أرفع نسبًا أو أكثر نشبًا ، فكيف من له الدين الحق وهو فيه راسخ ، وكيف يرجح عليه من دونه فيه بسبب غيره ، وقوله تعالى: { يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى } فيه وجهان أحدهما: من آدم وحواء ثانيهما: كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم ، فإن قلنا إن المراد هو الأول ، فذلك إشارة إلى أن لا يتفاخر البعض على البعض لكونهم أبناء رجل واحد ، وامرأة واحدة ، وإن قلنا إن المراد هو الثاني ، فذلك إشارة إلى أن الجنس واحد ، فإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من أب وأم ، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين ، فإن من سنن التفاوت أن لا يكون تقدير التفاوت بين الذباب والذئاب ، لكن التفاوت الذي بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين ، لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام ، بل أضل ، والمؤمن إنسان في المعنى الذي ينبغي أن يكون فيه ، والتفاوت في الإنسان تفاوت في الحس لا في الجنس إذ كلهم من ذكر وأنثى ، فلا يبقى لذلك عند هذ اعتبار ، وفيه مباحث:
البحث الأول: فإن قيل هذا مبني على عدم اعتبار النسب ، وليس كذلك فإن للنسب اعتبارًا عرفًا وشرعًا ، حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي ، فنقول إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبرًا ، وذلك في الحس والشرع والعرف ، أما الحس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس ، ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عندما يكون رعد قوي ، وأما في العرف ، فلأن من جاء مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا إليه التفات ، إذا علمت هذا فيهما ففي الشرع كذلك ، إذا جاء الشرف الديني الإلهي ، لا يبقى الأمر هناك اعتبار ، لا لنسب ولا لنشب ، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس نسبًا ، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسبًا ، لا يقاس أحدهما بالآخر ، وكذلك ما هو من الدين مع غيره ، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان دينًا عالمًا صالحًا ، ولا يصلح لشيء منها فاسق ، وإن كان قرشي النسب ، وقاروني النشب ، ولكن إذا اجتمع في اثنين الدين المتين ، وأحدهما نسيب ترجح بالنسب عند الناس لا عند الله لأن الله تعالى يقول