القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد
اعلم أن في هذه الآيات مسائل:
المسألة الأولى: أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة ، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين . أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وفيه فوائد: أحدها: أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيًا عن ثالث: إن فلانًا من قصته كيت وكيت ، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور يوجب مزيد تحريك لذلك الثالث . وثانيها: كأنه سبحانه وتعالى يقول . جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولًا ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك ، فأخاطبك من غير واسطة ، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة ، شرف المخاطبة والمكالمة . وثالثها: أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلًا بالعبودية فإنه يكون أبدًا في الترقي ، بدليل أنه في هذه الآية ، انتقل من الغيبة إلى الحضور . ورابعها: أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم ، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف ، ففيه كلفة ومشقة فلا بدّ من راحة تقابل هذه الكلفة ، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ، كما أن العبد إذا ألزم تكليفًا شاقًا فلو شافهه المولى وقال: أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذًا لأجل ذلك الخطاب .
المسألة الثانية: حكي عن علقمة والحسن أنه قال: كل شيء في القرآن: { ياأَيُّهَا الناس } فإنه مكي ، وما كان { يَاأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } فبالمدينة ، قال القاضي: هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم ، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فهذا ضعيف ، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم ، ومرة باسم جنسهم ، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة ، كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها ، فالخطاب في الجميع ممكن .
المسألة الثالثة: اعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هي: إما الألفاظ أو غيرها ، أما الألفاظ فهي: كالاسم والفعل والحرف ، فإن هذه الألفاظ الثلاثة يدل كل واحد منها على شيء ، هو في نفسه لفظ مخصوص ، وغير الألفاظ: فكالحجر والسماء والأرض ، ولفظ النداء لم يجعل دليلًا على شيء آخر ، بل هو لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه . فأما الذين فسروا قولنا: «يا زيد» بأنادي زيدًا ، أو أخاطب زيدًا فهو خطأ من وجوه: أحدها: أن قولنا . أنادي زيدًا ، خبر يحتمل التصديق والتكذيب ، وقولنا يا زيد ، لا يحتملها . وثانيها: أن قولنا يا زيد ، يقتضي صيرورة زيد منادى في الحال ، وقولنا أنادي زيدًا ، لا يقتضي ذلك ، وثالثها: أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبًا بهذا الخطاب وقولنا أنادي زيدًا لا يقتضي ذلك لأنه لا يمتنع أنه يخبر إنسانًا آخر بأني أنادي زيدًا . ورابعها: أن قولنا أنادي زيدًا ، إخبار عن النداء ، والإخبار عن النداء غير النداء ، والنداء هو قولنا: يا زيد ، فإذن قولنا: أنادي زيدًا ، غير قولنا يا زيد ، فثبت بهذه الوجوه فساد هذا القول . ثم ههنا نكتة نذكرها وهي: أن أقوى المراتب الاسم ، وأضعفها الحرف ، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف ، وكذا أعظم الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى ، وأضعفها البشر