فهرس الكتاب

الصفحة 7968 من 8321

ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام منهم من قطع بصحته ، ومنهم من جوز وجوده ولكنه غير قاطع فيه لا بالنفي ولا بالإثبات ، ومنهم من أصر على إنكاره وقطع بأنه لا يكون فالقسمان الأولان تكون الخشية حاصلة لهما ، وأما القسم الثالث فلا خشية له ولا خوف إذا عرفت ذلك ظهر أن الآية تحتمل تفسيرين: أحدهما: أن يقال: الذي يخشى هو الذي يكون عارفًا بالله وعارفًا بكمال قدرته وعلمه وحكمته ، وذلك يقتضي كونه قاطعًا بصحة المعاد ولذلك قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر: 28 ] فكأنه تعالى لما قال: { فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى } بين في هذه الآية أن الذي تنفعه الذكرى من هو ، ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنيًا على حصول الخشية في القلب ، وصفات القلوب مما لا اطلاع لأحد عليها إلا الله سبحانه وجب على الرسول تعميم الدعوة تحصيلًا للمقصود ، فإن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير ، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير . الثاني: أن يقال: إن الخشية حاصلة للعاملين وللمتوقفين غير المعاندين وأكثر الخلق متوقفون غير معاندين والمعاند فيهم قليل ، فإذا ضم إلى المتوقفين الذين لهم الغلبة العارفون كانت الغلبة العظيمة لغير المعاندين ، ثم إن كثيرًا من المعاندين ، إنما يعاندون باللسان ، فأما المعاند في قلبه بينه وبين نفسه فذلك مما لا يكون أو إن كان فهو في غاية الندرة والقلة ، ثم إن الإنسان إذا سمع التخويف بأنه يصلى النار الكبرى وأنه لا يموت فيها ولا يحيى انكسر قلبه فلا بد وأن يستمع وينتفع أغلب الخلق في أغلب الأحوال ، وأما ذلك المعرض فنادر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فمن هذا الوجه كان قوله: { فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى } يوجب تعميم التذكير .

المسألة الثالثة: السين في قوله: { سَيَذَّكَّرُ } يحتمل أن تكون بمعنى سوف يذكر وسوف من الله واجب كقوله: { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى } [ الأعلى: 6 ] ويحتمل أن يكون المعنى أن من خشي الله فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر فهو بعد طول المدة يذكر ، والله أعلم .

المسألة الرابعة: العلم إنما يسمى تذكرًا إذا كان قد حصل العلم أولًا ثم نسيه وهذه الحالة غير حاصلة للكفار فكيف سمى الله تعالى ذلك بالتذكر؟ وجوابه: أن لقوة الدلائل وظهورها كأن ذلك العلم كان حاصلًا ، ثم إنه زال بسبب التقليد والعناد . فلهذا أسماه الله تعالى بالتذكر .

المسألة الخامسة: قيل: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان ، وقيل: نزلت في ابن أم مكتوم . أما قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت