اعلم أن هذه الآية قد سبق ذكرها بعينها في هذه السورة وذكرت ههنا ، وقد حصل التفاوت بينهما في ألفاظ: فأولها: في الآية المتقدمة قال: { فَلاَ تُعْجِبْكَ } بالفاء . وههنا قال: { وَلاَ تُعْجِبْكَ } بالواو وثانيها: أنه قال هناك { أموالهم وَلاَ أولادهم } وههنا كلمة { لا } محذوفة . وثالثها: أنه قال هناك { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ } وههنا حذف اللام وأبدلها بكلمة { أن } ورابعها: أنه قال هناك { في الحياة } وههنا حذف لفظ الحياة وقال: { فِى الدنيا } فقد حصل التفاوت بين هاتين الآيتين من هذه الوجوه الأربعة ، فوجب علينا أن نذكر فوائد هذه الوجوه الأربعة في التفاوت ، ثم نذكر فائدة هذا التكرير .
أما المقام الأول: فنقول:
أما النوع الأول: من التفاوت وهو أنه تعالى ذكر قوله: { فَلاَ تُعْجِبْكَ } بالفاء في الآية الأولى وبالواو في الآية الثانية ، فالسبب أن في الآية الأولى إنما ذكر هذه الآية بعد قوله: { وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارهون } وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق ، وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال . فلهذا المعنى نهاه الله عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب ، فقال: { فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم } وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو .
وأما النوع الثاني: وهوأنه تعالى قال في الآية الأولى: { فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم } فالسبب فيه أن مثل هذا الترتيب يبتدأ بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف ، فيقال لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير ، وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم ، وفي هذه الآية يدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم .
أما النوع الثالث: وهو أنه قال هناك: { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ } وههنا قال: { إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذّبَهُمْ } فالفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال ، وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه «أن» كقوله: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله } [ البينة: 5 ] أي وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله .
وأما النوع الرابع: وهو أنه ذكر في الآية الأولى { في الحياة الدنيا } وههنا ذكر { فِى الدنيا } وأسقط لفظ الحياة ، تنبيهًا على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة ، بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهًا على كمال دناءتها ، فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ ، والعالم بحقائق القرآن هو الله تعالى .
وأما المقام الثاني: وهو بيان حكمة التكرير فهو أن أشد الأشياء جذبًا للقلوب وجلبًا للخواطر ، إلى الاشتغال بالدنيا ، هو الاشتغال بالأموال والأولاد ، وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرة بعد أخرى ، إلا أنه لما كان أشد الأشياء في المطلوبية والمرغوبية للرجل المؤمن هو مغفرة الله تعالى ، لا جرم أعاد الله قوله: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } في سورة النساء مرتين ، وبالجملة فالتكرير يكون لأجل التأكيد فههنا للمبالغة في التحذير ، وفي آية المغفرة للمبالغة في التفريح ، وقيل أيضًا إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قومًا من المنافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها ، وأراد بهذه الآية أقوامًا آخرين ، والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة ، لم يكن ذكره مع بعضهم مغنيًا عن ذكره مع الآخرين .