فهرس الكتاب

الصفحة 1426 من 8321

اعلم أن قوله: { تِلْكَ } إشارة إلى القصص التي ذكرها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت ، وإظهار الآية التي هي نزول التابوت من السماء ، وغلب الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير ، ولا شك أن هذه الأحوال آيات باهرة دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته .

فإن قيل: لم قال: { تِلْكَ } ولم يقل: ( هذه ) مع أن تلك يشار بها إلى غائب لا إلى حاضر؟ .

قلنا: قد بينا في تفسير قوله: { ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ البقرة: 2 ] أن تلك وذلك يرجع إلى معنى هذه وهذا ، وأيضًا فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشيء الذي انقضى ومضى ، فكانت في حكم الغائب فلهذا التأويل قال: { تِلْكَ } .

أما قوله تعالى: { نَتْلُوهَا } يعني يتلوها جبريل عليه السلام عليك لكنه تعالى جعل تلاوة جبريل عليه السلام تلاوة لنفسه ، وهذا تشريف عظيم لجبريل عليه السلام ، وهو كقوله: { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح: 10 ] .

أما قوله: { بالحق } ففيه وجوه أحدها: أن المراد من ذكر هذه القصص أن يعتبر بها محمد A ، وتعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في الجهاد ، كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة وثانيها: { بالحق } أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب ، لأنه في كتبهم ، كذلك من غير تفاوت أصلًا وثالثها: إنا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالة في نبوتك بسبب ما فيها من الفصاحة والبلاغة ورابعها: { تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق } أي يجب أن يعلم أن نزول هذه الآيات عليك من قبل الله تعالى ، وليس بسبب إلقاء الشياطين ، ولا بسبب تحريف الكهنة والسحرة .

ثم قال: { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } وإنما ذكر هذا عقيب ما تقدم لوجوه أحدها: أنك أخبرت عن هذه الأقاصيص من غير تعلم ولا دراسة ، وذلك يدل على أنه E إنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى وثانيها: أنك قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخوف عليهم والرد لقولهم ، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك ، وخلاف من خالف عليك ، لأنك مثلهم ، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والتطوع ، لا على سبيل الإكراه ، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك يرجع عليهم فيكون تسلية للرسول A فيما يظهر من الكفار والمنافقين ، ويكون قوله: { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } كالتنبيه على ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت