فهرس الكتاب

الصفحة 4161 من 8321

اعلم أن قوله: { لَهُ دَعْوَةُ الحق } أي لله دعوة الحق ، وفيه بحثان:

البحث الأول: في أقوال المفسرين وهي أمور: أحدها: ما روى عكرمة عن ابن عباس Bهما أنه قال: { دَعْوَةُ الحق } قول لا إله إلا الله . وثانيها: قول الحسن: إن الله هو الحق ، فدعاؤه هو الحق ، كأنه يومىء إلى أن الانقطاع إليه في الدعاء هو الحق . وثالثها: أن عبادته هي الحق والصدق .

واعلم أن الحق هو الموجود ، والموجود قسمان: قسم يقبل العدم وهو حق يمكن أن يصير باطلًا وقسم لا يقبل العدم فلا يمكن أن يصير باطلًا وذلك هو الحق الحقيقي ، وإذا كان واجب الوجود لذاته موجودًا لا يقبل العدم كان أحق الموجودات بأن يكون حقًا هو هو وكان أحق الاعتقادات وأحق الأذكار بأن يكون حقًا هو اعتقاد ثبوته وذكر وجوده ، فثبت بهذا أن وجوده هو الحق في الموجودات واعتقاد وجوده هو الحق في الاعتقادات . وذكره بالثناء والإلهية والكمال هو الحق في الأذكار فلهذا قال: { لَهُ دَعْوَةُ الحق } .

البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» { دَعْوَةُ الحق } فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف إليه الكلمة في قوله: { كَلِمَةَ الحق } والمقصود منه الدلالة على كون هذه الدعوة مختصة بكونها حقة وكونها خالية عن أمارات كونه باطلًا ، وهذا من باب إضافة الشيء إلى صفته . والثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو الله سبحانه على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ، وعن الحسن: الحق هو الله وكل دعاء إليه فهو دعوة الحق .

ثم قال تعالى: { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } يعني الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله: { لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء } مما يطلبونه إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء ، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه ، فكذلك ما يدعونه جماد ، لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ، ولا يقدر على نفعهم وقيل شبهوا في قلة فائد دعائهم لآلهتهم ، بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطها ناشرًا أصابعه ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من شربه ، وقرىء { تَدْعُونَ } بالتاء { كباسط كَفَّيْهِ } بالتنوين ، ثم قال: { وَمَا دُعَاء الكافرين إلى فِى ضلال } أي إلا في ضياع لا منفعة فيه ، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت