فهرس الكتاب

الصفحة 4160 من 8321

النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله: { وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء } واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة . قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي A يخاصمانه ويجادلانه ، ويريدان الفتك به ، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد ، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته ، ورمى عامرًا بغدة كغدة البعير ، ومات في بيت سلولية .

واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جدًا وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب ، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر ، والحكماء بالغوا في وصف قوتها ، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب ، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإنها أقوى نيران هذا العالم ، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار .

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال: { وَهُمْ يجادلون فِى الله } والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله: { يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } [ الرعد: 8 ] وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات .

ثم قال: { وَهُمْ يجادلون فِى الله } يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله وهو يحتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد . وثانيها: أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر . وثالثها: أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات . ورابعها: أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال . وفي هذه الواو قولان: الأول: أنه للحال ، والمعنى: فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله ، وذلك أن أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة . والثاني: أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك: { وَهُمْ يجادلون فِى الله } .

ثم قال تعالى: { وَهُوَ شَدِيدُ المحال } وفي لفظ المحال أقوال: قال ابن قتيبة: الميم زائدة وهو من الحول ، ونحوه ميم مكان ، وقال الأزهري: هذا غلط ، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية ، نحو مهاد ومداس ومداد ، واختلفوا مم أخذ على وجوه: الأول: قيل من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك ، وتمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه ، فكان المعنى: أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه . الثاني: أن المحال عبارة عن الشدة ، ومنه تسمى السنة الصعبة سنة المحل وما حلت فلانًا محالًا . أي قاومته أينا أشد ، قال أبو مسلم: ومحال فعال من المحل وهو الشدة ولفظ فعال يقع على المجازاة والمقابلة ، فكأن المعنى: أنه تعالى شديد المغالبة ، وللمفسرين ههنا عبارات فقال مجاهد وقتادة: شديد القوة ، وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة ، وقال الحسن: شديد النقمة ، وقال ابن عباس: شديد الحول . الثالث: قال ابن عرفة: يقال ماحل عن أمره أي جادل ، فقوله: { شَدِيدُ المحال } أي شديد الجدال . الرابع: روي عن بعضهم: { شَدِيدُ المحال } أي شديد الحقد . قالوا: هذا لا يصح ، لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى ، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق الله تعالى فإنها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادىء الأعراض ، فالمراد بالحقد ههنا هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت