فهرس الكتاب

الصفحة 4159 من 8321

"إن الله ينشىء السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق"

واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطًا لحصول الحياة فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلًا له وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندل يتولد في النار ، والضفادع تتولد في الماء البارد ، والدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة ، وأيضًا فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام ، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد A «فكيف يستبعد تسبيح السحاب» وعلى هذا القول فهذا الشيء المسمى بالرعد ملك أو ليس بملك فيه قولان: أحدهما: أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة ، فقال: { والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } والمعطوف عليه مغاير للمعطوف . والثاني: وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله: { وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة: 98 ] وفي قوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ ومِن نُوحٌ } [ الأحزاب: 7 ] .

القول الثاني: أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فإن الرعد يسبح الله سبحانه ، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلًا على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان ، كان ذلك في الحقيقة تسبيحًا ، وهو معنى قوله تعالى: { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء: 44 ] .

القول الثالث: أن المراد من كون الرعد مسبحًا أن من يسمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى ، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه .

القول الرابع: من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم ، والمطر بكاؤهم .

فإن قيل: وما حقيقة الرعد؟

قلنا: استقصينا القول في سورة «البقرة» في قوله: { فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } [ البقرة: 19 ] .

أما قوله: { والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } فاعلم أن من المفسرين من يقول: عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد ، فإنه سبحانه جعل له أعوانًا ، ومعنى قوله: { والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته . قال ابن عباس Bهما: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم ، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء .

واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية ، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ، وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية ، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح الله ، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء ، فكيف يليق بالعاقل الإنكار؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت