فهرس الكتاب

الصفحة 2959 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين أنه يحل أكل ما ذبح على اسم الله ، ذكر بعده تحريم ما لم يذكر عليه اسم الله ، ويدخل فيه الميتة ، ويدخل فيه ما ذبح على ذكر الأصنام ، والمقصود منه إبطال ما ذكره المشركون . وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر عليه اسم الله من طعام أو شراب ، فهو حرام ، تمسكًا بعموم هذه الآية . وأما سائر الفقهاء فإنهم أجمعوا على تخصيص هذا العموم بالذبح ، ثم اختلفوا فقال مالك: كل ذبح لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام ، سواء ترك ذلك الذكر عمدًا أو نسيانًا . وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين . وقال أبو حنيفة C تعالى: إن ترك الذكر عمدًا حرم ، وإن ترك نسيانًا حل . وقال الشافعي C تعالى: يحل متروك التسمية سواء ترك عمدًا أو خطأ إذا كان الذابح أهلًا للذبح ، وقد ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله: { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } [ المائدة: 3 ] فلا فائدة في الإعادة ، قال الشافعي C تعالى: هذا النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب ، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية . وثانيها: قوله تعالى: { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم } وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة ، روي أن ناسًا من المشركين قالوا للمسلمين: ما يقتله الصقر والكلب تأكلونه ، وما يقتله الله فلا تأكلونه . وعن ابن عباس أنهم قالوا: تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما يقتله الله ، فهذه المناظرة مخصوصة بأكل الميتة ، وثالثها: قوله تعالى: { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب ، يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم إلهية الأوثان ، فقد رضيتم بإلهيتها وذلك يوجب الشرك . قال الشافعي C تعالى: فأول الآية وإن كان عامًا بحسب الصيغة ، إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص ، ومما يؤكد هذا المعنى هو أنه تعالى قال: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } فقد صار هذا النهي مخصوصًا بما إذا كان هذا الأمر فسقًا ، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يصير فسقًا؟ فرأينا هذا الفسق مفسرًا في آية أخرى ، وهو قوله: { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لغير الله به } [ الأنعام: 145 ] فصار الفسق في هذه الآية مفسرًا بما أهل به لغير الله ، وإذا كان كذلك كان قوله: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } مخصوصًا بما أهل به لغير الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت