والمقام الثاني: أن نترك التمسك بهذه المخصصات ، لكن نقول لم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا؟ والدليل عليه ما روي عن النبي A أنه قال: « ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل » ، ويحمل هذا الذكر على ذكر القلب .
والمقام الثالث: وهو أن نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن سائر الدلائل المذكورة في هذه المسألة توجب الحل ، ومتى تعارضت وجب أن يكون الراجح هو الحل ، لأن الأصل في المأكولات الحل ، وأيضًا يدل عليه جميع العمومات المقتضية لحل الأكل والانتفاع كقوله تعالى: { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } [ البقرة: 29 ] وقوله: { كُلُواْ واشربوا } [ البقرة: 60 ] لأنه مستطاب بحسب الحس فوجب أن يحل لقوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } [ المائدة: 4 ] ولأنه مال لأن الطبع يميل إليه ، فوجب أن لا يحرم لما روي عن النبي A أنه نهى عن إضاعة المال ، فهذا تقرير الكلام في هذه المسألة ومع ذلك فنقول: الأولى بالمسلم أن يحترز عنه لأن ظاهر هذا النص قوي .
المسألة الثانية: الضمير في قوله: { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أن قوله { لاَ تَأْكُلُواْ } يدل على الأكل ، لأن الفعل يدل على المصدر ، فهذا الضمير عائد إلى هذا المصدر . والثاني: كأنه جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقًا ، على سبيل المبالغة .
وأما قوله: { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم } ففيه قولان: الأول: أن المراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده ، وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمدًا A وأصحابه في أكل الميتة . والثاني: قال عكرمة: وإن الشياطين ، يعني مردة المجوس ، ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش ، وذلك لأنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس ، فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة ، أن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام . فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
ثم قال: { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } يعني في استحلال الميتة { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحلَّ شيئًا مما حرم الله تعالى ، أو حرم شيئًا مما أحل الله تعالى فهو مشرك ، وإنما سمي مشركًا لأنه أثبت حاكمًا سوى الله تعالى ، وهذا هو الشرك .
المسألة الثالثة: قال الكعبي: الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق ، كما جعل تعالى الشرك اسمًا لكل ما كان مخالفًا لله تعالى ، وإن كان في اللغة مختصًا بمن يعتقد أن لله شريكًا ، بدليل أنه تعالى سمى طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركًا .
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك ههنا اعتقاد أن الله تعالى شريكًا في الحكم والتكليف؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط .