فهرس الكتاب

الصفحة 7363 من 8321

قال ابن عباس Bهما: إنه تعالى خلق بني آدم مؤمنًا وكافرًا ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنًا وكافرًا ، وقال عطاء: إنه يريد فمنكم مصدق ، ومنكم جاحد ، وقال الضحاك: مؤمن في العلانية كافر في السر كالمنافق ، وكافر في العلانية مؤمن في السر كعمار بن ياسر ، قال الله تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } [ النحل: 106 ] وقال الزجاج: فمنكم كافر بأنه تعالى خلقه ، وهو من أهل الطبائع والدهرية ، ومنكم مؤمن بأنه تعالى خلقه كما قال: { قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيّ شَيْء خَلَقَهُ } [ عبس: 17 ، 18 ] وقال: { أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } [ الكهف: 37 ] وقال أبو إسحاق: خلقكم في بطون أمهاتكم كفارًا ومؤمنين ، وجاء في بعض التفاسير أن يحي خلق في بطن أمه مؤمنًا وفرعون خلق في بطن أمه كافرًا ، دل عليه قوله تعالى: { إِنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى مُصَدّقًا بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } وقوله تعالى: { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي عالم بكفركم وإيمانكم اللذين من أعمالكم ، والمعنى أنه تعالى تفضل عليكم بأصل النعم التي هي الخلق فأنظروا النظر الصحيح وكونوا بأجمعكم عبادًا شاكرين ، فما فعلتم مع تمكنكم بل تفرقتم فرقًا فمنكم كافر ومنكم مؤمن وقوله تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق } أي بالإرادة القديمة على وفق الحكمة ، ومنهم من قال: بالحق ، أي للحق ، وهو البعث ، وقوله: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } يحتمل وجهين أحدهما: أحسن أي أتقن وأحكم على وجه لا يوجد بذلك الوجه في الغير ، وكيف يوجد وقد وجد في أنفسهم من القوى الدالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة وثانيهما: أن نصرف الحسن إلى حسن المنظر ، فإن من نظر في قد الإنسان وقامته وبالنسبة بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة وقوله تعالى: { وَإِلَيْهِ المصير } أي البعث وإنما أضافه إلى نفسه لأنه هو النهاية في خلقهم والمقصود منه ، ثم قال تعالى: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } لأنه لا يلزم من خلق الشيء أن يكون مصورًا بالصورة ، ولا يلزم من الصورة أن تكون على أحسن الصور ، ثم قال: { وَإِلَيْهِ المصير } أي المرجع ليس إلا له ، وقوله تعالى: { يَعْلَمُ مَا فِي السموات والأرض وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ والله عَلِيمُ بِذَاتِ الصدور } نبه بعلمه ما في السموات والأرض ، ثم بعلمه ما يسره العباد وما يعلنونه ، ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات والجزئيات على أنه لا يخفى عليه شيء لما أنه تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة ألبتة أزلًا وأبدًا ، وفي الآية مباحث:

الأول: أنه تعالى حكيم ، وقد سبق في علمه أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ، والإصرار عليه فأي حكمة دعته إلى خلقهم؟ نقول: إذا علمنا أنه تعالى حكيم ، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ، وخلق هذه الطائفة فعله ، فيكون على وفق الحكمة ، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت