اعلم أن في أول هذه السورة احتمالات أحدها: وهو الأقوى أن يقال حام اسم للسورة وهو في موضع المبتدأ وتنزيل خبره ، وثانيها: قال الأخفش: تنزيل رفع بالابتداء وكتاب خبره ، وثالثها: قال الزجاج: تنزيل رفع بالابتداء وخبره كتاب فصلت آياته ووجهه أن قوله { تَنزِيلَ } تخصص بالصفة وهو قوله { مِّنَ الرحمن الرحيم } فجاز وقوعه مبتدأ .
واعلم أنه تعالى حكم على السورة المسماة بحام بأشياء أولها: كونه تنزيلًا والمراد المنزّل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور ، يقال هذا بناء الأمير أي مبنيه ، وهذا الدرهم ضرب السلطان أي مضروبه ، والمراد من كونها منزلًا أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ وأمر جبريل عليه السلام بأن يحفظ تلك الكلمات ثم ينزل بها على محمد A ويبلغها إليه ، فلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلًا وثانيها: كون التنزيل من الرحمن الرحيم ، وذلك يدل على كون التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن يكون مناسبًا لتلك الصفة ، فكونه تعالى رحمانًا رحيمًا صفتان دالتان على كمال الرحمة ، فالتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالًا على أعظم وجوه النعمة ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والزمنى والمحتاجين ، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية ، فكان أعظم النعم عند الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم وثالثها: كونه كتابًا وقد بينا أن هذا الاسم مشتق من الجمع وإنما سمي كتابًا لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين ورابعها: قوله { فُصّلَتْ ءاياته } والمراد أنه فرقت آياته وجعلت تفاصيل في معان مختلفة فبعضها في وصف ذات الله تعالى وشرح صفات التنزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته وعجائب أحوال خلقه السموات والأرض والكواكب وتعاقب الليل والنهار وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان ، وبعضها في أحوال التكاليف المتوجهة نحو القلوب ونحو الجوارح ، وبعضها في الوعد والوعيد والثواب والعقاب درجات أهل الجنة ودرجات أهل النار ، وبعضها في المواعظ والنصائح وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس ، وبعضها في قصص الأولين وتواريخ الماضين ، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في يد الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن وخامسها: قوله { قُرْءَانًا } والوجه في تسميته قرآنًا قد سبق وقوله تعالى: { قُرْءانًا } نصب على الاختصاص والمدح أي أُريد بهذا الكتاب المفصل قرآنًا من صفته كيت وكيت ، وقيل هو نصب على الحال وسادسها: قوله { عَرَبِيًّا } والمعنى أن هذا القرآن إنما نزل بلغة العرب وتأكد هذا بقوله تعالى: