فهرس الكتاب

الصفحة 6361 من 8321

{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الأخرة هُمْ غافلون } [ الروم: 7 ] ، { ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم } [ النجم: 30 ] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة الله تعالى ومعرفة المعاد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها ، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ، ففرحوا به . أما إذا قلنا الضمير عائد إلى الأنبياء ففيه وجهان الأول: أن يجعل الفرح للرسل ، ومعناه أن الرسل لما رأوا من قومهم جهلًا كاملًا ، وإعراضًا عن الحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم ، فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه ، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم الثاني: أن يكون المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به ، كأنه قال استهزؤا بالبينات ، وبما جاؤا به من علم الوحي فرحين ، ويدل عليه قوله تعالى: { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } .

ثم قال تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } البأس شدة العذاب ومنه قوله تعالى: { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } [ الأعراف: 165 ] فإن قيل أي فرق بين قوله { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم } وبين ما لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم؟ قلنا هو مثل كان في نحو قوله { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } [ مريم: 35 ] والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم ، فإن قيل اذكروا ضابطًا في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان فيه ، قلنا إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب ، لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه ، حتى يكون المرء مختارًا ، أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا .

ثم قال تعالى: { سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ } والمعنى أن عدم قبول الإيمان حال اليأس سنة الله مطردة في كل الأمم .

ثم قال: { وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون } فقوله { هُنَالِكَ } مستعار للزمان أي وخسروا وقت رؤية البأس ، والله الهادي للصواب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت