اعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أن معرفة الحق لذاته ، وهي المراد من قوله: { أَنَّهُ لآ إله إلآ أَنَاْ } ومعرفة الخير لأجل العمل به وهي المراد من قوله: { فاتقون } [ النحل: 2 ] روح الأرواح ، ومطلع السعادات ، ومنبع الخيرات والكرامات ، أتبعه بذكر الدلائل على وجود الصانع الإله تعالى وكمال قدرته وحكمته .
واعلم أنا بينا أن دلائل الإلهيات ، إما التمسك بطريقة الإمكان في الذوات أو في الصفات . أو التمسك بطريقة الحدوث في الذوات أو في الصفات أو بمجموع الإمكان والحدوث في الذوات أو الصفات ، فهذه طرق ستة ، والطريق المذكور في كتب الله تعالى المنزلة ، هو التمسك بطريقة حدوث الصفات وتغيرات الأحوال . ثم هذا الطريق يقع على وجهين: أحدهما: أن يتمسك بالأظهر فالأظهر مترقيًا إلى الأخفى فالأخفى ، وهذا الطريق هو المذكور في أول سورة البقرة ، فإنه تعالى قال: { اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ } فجعل تعالى تغير أحوال نفس كل واحد دليلًا على احتياجه إلى الخالق . ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الآباء والأمهات ، وإليه الإشارة بقوله: { والذين مِن قَبْلِكُمْ } [ البقرة: 21 ] ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الأرض ، وهي قوله: { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشًا } لأن الأرض أقرب إلينا من السماء ، ثم ذكر في المرتبة الرابعة قوله: { والسماء بِنَاء } ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب السماء بالأرض ، فقال: { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ } [ البقرة: 22 ] .
الثاني من الدلائل القرآنية؛ أن يحتج الله تعالى بالأشرف فالأشرف نازلًا إلى الأدون فالأدون ، وهذا الطريق هو المذكور في هذه السورة ، وذلك لأنه تعالى ابتدأ في الاحتجاج على وجود الإله المختار بذكر الأجرام العالية الفلكية ، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان ، ثم ثلث بذكر الاستدلال بأحوال الحيوان ، ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات ، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة ، وهذا الترتيب في غاية الحسن .
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول:
النوع الأول: من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال بأحوال السموات والأرض فقال: { خُلِقَ * السموات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والأرض } [ الأنعام: 1 ] إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم ، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه ههنا فنقول: الخلق عبارة عن التقدير بمقدار مخصوص ، وهذا المعنى حاصل في السموات من وجوه: الأول: أن كل جسم متناه فجسم السماء متناه ، وكل ما كان متناهيًا في الحجم والقدر ، كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص امرًا جائزًا ، وكل جائز فلا بد له من مقدر ومخصص ، وكل ما كان مفتقرًا إلى الغير فهو محدث . الثاني: وهو أن الحركة الأزلية ممتنعة ، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، والأزل ينافيه فالجمع بين الحركة والأزل محال .