وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: فناداه الملائكة ، على التذكير والإمالة ، والباقون على التأنيث على اللفظ ، وقيل: من ذكر فلأن الفعل قبل الاسم ، ومن أنث فلأن الفعل للملائكة ، وقرأ ابن عامر { المحراب } بالإمالة ، والباقون بالتفخيم ، وفي قراءة ابن مسعود: فناداه جبريل .
المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة ، ولا شك أن هذا في التشريف أعظم ، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه . وحملنا هذ اللفظ على التأويل ، فإنه يقال: فلان يأكل الأطعمة الطيبة ، ويلبس الثياب النفيسة ، أي يأكل من هذا الجنس ، ويلبس من هذا الجنس ، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة ، ولم يلبس جميع الأثواب ، فكذا ههنا ، ومثله في القرآن { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } [ آل عمران: 173 ] وهم نعيم بن مسعود إن الناس: يعني أبا سفيان ، قال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيسًا جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، فلما كان جبريل رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك .
أما قوله { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى المحراب } فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم ، والمحراب قد ذكرنا معناه .
أما قوله { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى: { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ البقرة: 25 ] وفي قوله { يُبَشّرُكَ بيحيى } وجهان الأول: أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ذرية عالية ، فإذا قيل: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام والثاني: أن الله يبشرك بولد اسمه يحيى .
المسألة الثانية: قرأ ابن عامر وحمزة { أن } بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها ، أما الكسر فعلى إرادة القول ، أو لأن النداء نوع من القول ، وأما الفتح فتقديره: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك .
المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي { يُبَشّرُكِ } بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين ، وقرأ الباقون { يُبَشّرُكِ } وقرىء أيضًا { يُبَشّرُكِ } قال أبو زيد يقال: بشر يبشر بشرًا ، وبشر يبشر تبشيرًا ، وأبشر يبشر ثلاث لغات .
المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي { يحيى } بالإمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم ، وأما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم ، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع:
الصفة الأولى: قوله { مُصَدّقًا بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال الواحدي قوله { مُصَدّقًا بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } نصب على الحال لأنه نكرة ، ويحيى معرفة .
المسألة الثانية: في المراد { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } قولان الأول: وهو قول أبي عبيدة: أنها كتاب من الله ، واستشهد بقولهم: أنشد فلان كلمة ، والمراد به القصيدة الطويلة .