فهرس الكتاب

الصفحة 1694 من 8321

والقول الثاني: وهو اختيار الجمهور: أن المراد من قوله { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } هو عيسى عليه السلام ، قال السدي: لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام ، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى ، فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟ فقالت مريم: وأنا أيضًا حبلى ، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله { مُصَدّقًا بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } وقال ابن عباس: إن يحيى كان أكبر سنًا من عيسى بستة أشهر ، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه ، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام ، فإن قيل: لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية ، وفي قوله { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ } [ النساء: 171 ] قلنا: فيه وجوه الأول: أنه خلق بكلمة الله ، وهو قوله { كُنَّ } من غير واسطة الأب ، فلما كان تكوينه بمحض قول الله { كُنَّ } وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر ، لا جرم سمى: كلمة ، كما يسمى المخلوق خلقًا ، والمقدور قدرة ، والمرجو رجاء ، والمشتهي شهوة ، وهذا باب مشهور في اللغة والثاني: أنه تكلم في الطفولية ، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولية ، فكان في كونه متكلمًا بالغًا مبلغًا عظيمًا ، فسمي كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال: فلان جود وإقبال إذا كان كاملًا فيهما والثالث: أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق ، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية ، فسمى: كلمة ، بهذا التأويل ، وهو مثل تسميته روحًا من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح ، وقد سمى الله القرآن روحًا فقال: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى: 52 ] والرابع: أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله ، فلما جاء قيل: هذا هو تلك الكلمة ، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا: ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال: قد جاء قولي وجاء كلامي ، أي ما كنت أقول وأتكلم به ، ونظيره قوله تعالى: { وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أصحاب النار } [ غافر: 6 ] وقال: { ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } [ الزمر: 71 ] الخامس: أن الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله ، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم: كلمة الله ، وروح الله ، واعلم أن كلمة الله هي كلامه ، وكلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته ، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة ، والعلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال: أنها هي ذات عيسى عليه السلام ، ولما كان ذلك باطلًا في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت