اعلم أن خاتمة هذه السورة عجيبة ، وذلك لأن قوله: { وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } [ الإنسان: 30 ] يدل على أن جميع ما يصدر عن العبد فبمشيئة الله ، وقوله: { يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } يدل على أن دخول الجنة والنار ليس إلا بمشيئة الله ، فخرج من آخر هذه السورة إلا الله وما هو من الله ، وذلك هو التوحيد المطلق الذي هو آخر سير الصديقين ومنتهى معارجهم في أفلاك المعارف الإلهية ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ } إن فسرنا الرحمة الإيمان ، فالآية صريحة في أن الإيمان من الله ، وإن فسرناها بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئة الله وفضله وإحسانه لا بسبب الاستحقاق ، وذلك لأنه لو ثبت الاستحقاق لكان تركه يفضي إلى الجهل والحاجة المحالين على الله ، والمفضي إلى المحال محال فتركه محال فوجوده واجب عقلًا وعدمه ممتنع عقلًا ، وما كان كذلك لا يكون معلقًا على المشيئة ألبتة ، وأيضًا فلأن من كان مديونًا من إنسان فأدى ذلك الدين إلى مستحقه لا يقال: بأنه إنما دفع ذلك القدر إليه على سبيل الرحمة والتفضل .
المسألة الثانية: قوله: { والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } يدل على أنه جف القلم بما هو كائن ، لأن معنى أعد أنه علم ذلك وقضى به ، وأخبر عنه وكتبه في اللوح المحفوظ ، ومعلوم أن التغيير على هذه الأشياء محال ، فكان الأمر على ما بيناه وقلناه .
المسألة الثالثة: قال الزجاج: نصب الظالمين لأن قبله منصوبًا ، والمعنى يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين وقوله: { أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } كالتفسير لذلك المضمر ، وقرأ عبدالله بن الزبير: والظالمون ، وهذا ليس باختيار لأنه معطوف على يدخل من يشاء وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية غير حسن ، وأما قوله في حم عسق: { يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ والظالمون } فإنما ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فينصبه في المعنى ، فلم يجز أن يعطف على المنصوب قبله ، فارتفع بالابتداء ، وههنا قوله: { أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } يدل على ذلك الناصب المضمر ، فظهر الفرق والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .