فهرس الكتاب

الصفحة 8073 من 8321

واعلم أن في اتصاله بما تقدم وجوهًا أحدها: أن يكون المعنى أن انقطاع الوحي لا يجوز أن يكون لأنه عزل عن النبوة ، بل أقصى ما في الباب ، أن يكون ذلك لأنه حصل الاستغناء عن الرسالة ، وذلك أمارة الموت فكأنه يقال: انقطاع الوحي متى حصل دل على الموت ، لكن الموت خير لك . فإن مالك عند الله في الآخرة خير وأفضل مما لك في الدنيا وثانيها: لما نزل: { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ } [ الضحى: 3 ] حصل له بهذا تشريف عظيم ، فكأنه استعظم هذا التشريف فقيل له: { وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى } أي هذا التشريف وإن كان عظيمًا إلا أن مالك عند الله في الآخرة خير وأعظم وثالثها: ما يخطر ببالي ، وهو أن يكون المعنى وللأحوال الآتية خير لك من الماضية كأنه تعالى وعده بأنه سيزيده كل يوم عزًا إلى عز ، ومنصبًا إلى منصب ، فيقول: لا تظن أني قليتك بل تكون كل يوم يأتي فإني أزيدك منصبًا وجلالًا ، وههنا سؤالان:

السؤال الأول: بأي طريق يعرف أن الآخرة كانت له خيرًا من الأولى؟ الجواب: لوجوه أحدها: كأنه تعالى يقول له إنك في الدنيا على خير لأنك تفعل فيها ما تريد ، ولكن الآخرة خير لك لأنا نفعل فيها ما نريد وثانيها: الآخرة خير لك يجتمع عندك أمتك إذ الأمة له كالأولاد قال تعالى: { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب: 6 ] وهو أب لهم ، وأمته في الجنة فيكون كأن أولاده في الجنة ، ثم سمى الولد قرة أعين ، حيث حكى عنهم: { هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } [ الفرقان: 74 ] وثالثها: الآخرة خير لك لأنك اشتريتها ، أما هذه ليست لك ، فعلى تقدير أن لو كانت الآخرة أقل من الدنيا لكانت الآخرة خيرًا لك ، لأن مملوكك خير لك مما لا يكون مملوكًا لك ، فكيف ولا نسبة للآخرة إلى الدنيا في الفضل ورابعها: الآخرة خير لك من الأولى لأن في الدنيا الكفار يطعنون فيك أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم ، وأجعلك شهيدًا على الأنبياء ، ثم أجعل ذاتي شهيدًا لك كما قال: { وكفى بالله شَهِيدًا * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله } [ الفتح: 29 28 ] وخامسها: أن خيرات الدنيا قليلة مشوبة منقطعة ، ولذات الآخرة كثيرة خالصة دائمة .

السؤال الثاني: لم قال: { وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ } ولم يقل خير لكم؟ الجواب: لأنه كان في جماعته من كانت الآخرة شرًا له ، فلو أنه سبحانه عمم لكان كذبًا ، ولو خصص المطيعين بالذكر لافتضح المذنبون والمنافقون . ولهذا السبب قال موسى عليه السلام: { كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } [ الشعراء: 62 ] وأما محمد A فالذي كان معه لما كان من أهل السعادة قطعًا ، لا جرم قال: { إِنَّ الله مَعَنَا }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت