فهرس الكتاب

الصفحة 3554 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: دل صريح هذه الآية على أنه لا تأثير للفسق من حيث إنه فسق في هذا المنع ، وذلك صريح في بطلان قول المعتزلة على ما لخصناه وبيناه .

المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يدل على أن منع القبول بمجموع الأمور الثلاثة ، وهي الكفر بالله ورسوله ، وعدم الإتيان بالصلاة إلا على وجه الكسل ، والإنفاق على سبيل الكراهية .

ولقائل أن يقول: الكفر بالله سبب مستقل في المنع من القبول ، وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر ، فكيف يمكن إسناد هذا الحكم إلى السببين الباقيين؟

وجوابه: أن هذا الإشكال إنما يتوجه على قول المعتزلة ، حيث قالوا: إن الكفر لكونه كفرًا يؤثر في هذا الحكم ، أما عندنا فإن شيئًا من الأفعال لا يوجب ثوابًا ولا عقابًا البتة ، وإنما هي معرفات واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد محال ، بل نقول: إن هذا من أقوى الدلائل اليقينية على أن هذه الأفعال غير مؤثرة في هذه الأحكام لوجوه عائدة إليها ، والدليل عليه أنه تعالى بين أنه حصلت هذه الأمور الثلاثة في حقهم ، فلو كان كل واحد منها موجبًا تامًا لهذا الحكم ، لزم أن يجتمع على الأثر الواحد أسباب مستقلة ، وذلك محال ، لأن المعلول يستغنى بكل واحد منها عن كل واحد منها ، فيلزم افتقاره إليها بأسرها حال استغنائه عنها بأسرها ، وذلك محال ، فثبت أن القول بكون هذه الأفعال مؤثرة في هذه الأحكام يفضي إلى هذا المحال ، فكان القول به باطلًا .

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن شيئًا من أعمال البر لا يكون مقبولًا عند الله مع الكفر بالله .

فإن قيل: فكيف الجمع بينه وبين قوله: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } [ الزلزلة: 7 ] قلنا: وجب أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب ، ودلت الآية على أن الصلاة لازمة للكافر ، ولولا ذلك لما ذمهم الله تعالى على فعلهاعلى وجه الكسل .

فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال الموجب للذم ليس هو ترك الصلاة؟ بل الموجب للذم هو الإتيان بها على وجه الكسل جاريًا مجرى سائر تصرفاتها من قيام وقعود ، وكما لا يكون قعودهم على وجه الكسل مانعًا من تقبل طاعتهم ، فكذلك كان يجب في صلاتهم لو لم تجب عليهم .

المسألة الرابعة: مضى تفسير الكسالى في سورة النساء . قال صاحب «الكشاف» : { كسالى } بالضم والفتح جمع الكسلان: نحو سكارى وحيارى في سكران وحيران . قال المفسرون: هذا الكسل معناه أنه إن كان في جماعة صلى ، وإن كان وحده لم يصل . قال المصنف: إن هذا المعنى إنما أثر في منع قبول الطاعات ، لأن هذا المعنى يدل على أنه لا يصلي طاعة لأمر الله وإنما يصلي خوفًا من مذمة الناس ، وهذا القدر لا يدل على الكفر . أما لما ذكره الله تعالى بعد أن وصفهم بالكفر ، دل على أن الكسل إنما كان لأنهم يعتقدون أنه غير واجب ، وذلك يوجب الكفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت